الفيض الكاشاني

349

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

بالطبع من حبّ زوال النعمة حتّى كأنّك تمقت نفسك على ما في طبعها فتكون تلك الكراهية من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع فقد أدّيت الواجب عليك ولا يدخل تحت اختيارك في أغلب الأحوال أكثر من هذا ، فأمّا تغيير الطبع ليستوي عنده المؤذي والمحسن ويكون فرحه أو غمّه ممّا تيسّر لهما من نعمة أو تنصبّ عليهما من بليّة سواء فهذا ممّا لا يطاوع الطبع عليه ما دام ملتفتا إلى حظوظ الدّنيا إلا أن يصير مستغرقا بحبّ اللَّه تعالى مثل السكران الواله فقد ينتهي أمره إلى أن لا يلتفت قلبه إلى تفاصيل أحوال العباد بل ينظر إلى الكلّ بعين واحدة وهو عين الرّحمة ويرى الكلّ عبادا للَّه وأفعالهم أفعالا للَّه ويراهم مسخّرين ، وذلك إن كان فهو كالبرق الخاطف لا يدوم ويرجع القلب بعد ذلك إلى طبعه ويعود العدوّ إلى منازعته أعني الشيطان فإنّه ينازع بالوسوسة ، فمهما قابل ذلك بكراهية ألزم قلبه فقد أدّى ما كلَّفه وذهب ذاهبون إلى أنّه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه . وروي مرفوعا أنّه « ثلاثة في المؤمن له منهنّ مخرج ومخرجه من الحسد أن لا يبغي » ( 1 ) والأولى أن يحمل هذا على ما ذكرنا من أن يكون فيه كراهة من جهة الدّين والعقل في مقابلة حبّ الطبع لزوال النعمة عن العدوّ ، وتلك الكراهة تمنعه من البغي ومن الإيذاء فإنّ جميع ما ورد من الأخبار في ذمّ الحسد يدلّ ظاهرها على أنّ كلّ حاسد آثم ، والحسد عبارة عن صفة القلب لا عن الأفعال فكلّ محبّ لمساءة المسلمين فهو حاسد فإذا كونه آثما بمجرّد حسد القلب من غير فعل هو في محلّ الاجتهاد . وقد عرفت من هذا أنّ لك في أعدائك ثلاثة أحوال : أحدها أن تحبّ مساءتهم بطبعك وتكره حبّك لذلك وميل قلبك إليه بعقلك ، وتمقت نفسك عليه وتودّ لو كانت لك حيلة في إزالة ذلك الميل منك ، وهذا معفوّ عنه قطعا ، لأنّه لا يدخل تحت الاختيار أكثر منه ، الثانية أن تحبّ ذلك وتظهر الفرح بمساءته إمّا بلسانك أو بجوارحك فهذا هو الحسد المحظور قطعا ، الثالثة وهي بين الطرفين أن تحسد بالقلب

--> ( 1 ) مر آنفا .