الفيض الكاشاني

339

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

يقوى بين قوم تجتمع لهم جملة من هذه الأسباب وتتظاهر فيهم إذا لشخص الواحد يجوز أن يحسد لأنّه قد يمتنع عن قبول التكبّر ولأنّه يتكبّر ولأنّه عدوّ ولغير ذلك من الأسباب وهذه الأسباب إنّما تكثر بين أقوام تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض فإذا خالف واحد صاحبه في غرض من أغراضه نفر طبعه وأبغضه وثبت الحقد فيه فعند ذلك يريد أن يستحقره ويتكبّر عليه ويكافيه على مخالفته لغرضه ويكره تمكَّنه من النعمة الَّتي توصله إلى أغراضه وتترادف جملة هذه الأسباب إذ لا رابطة بين شخصين في بلدتين متنائيتين فلا يكون بينهما محاسدة وكذلك في محلَّتين ، نعم إذا تجاورا في مسكن أو سوق أو مسجد أو مدرسة تواردا على مقاصد تتناقض فيها أغراضهما فيثور من التناقض التنافر والتباغض ومنه يثور بقيّة أسباب الحسد فلذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد ، والعابد يحسد العابد دون العالم ، والتاجر يحسد التاجر ، والإسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزّاز إلا بسبب آخر سوى الاجتماع في الحرفة ، ويحسد الرّجل أخاه وابن عمّه أكثر ممّا يحسد الأجانب ، والمرأة تحسد ضرّتها وسريّة زوجها أكثر ممّا يحسد أمّ الزّوج وابنته لأنّ مقصد البزّاز غير مقصد الإسكاف فلا يتزاحمون على المقاصد إذ مقصد البزّاز الثروة ولا يحصّلها إلا بكثرة الزبون ( 1 ) وإنّما ينازعه فيه بزّاز آخر إذ حريف البزّاز لا يطلبه الإسكاف بل البزّاز ، ثمّ مزاحمة البزّاز المجاور له أكثر من مزاحمة البعيد عنه إلى طرف السوق فلا جرم يكون حسده للجار أكثر ، وكذلك الشجاع يحسد الشجاع ولا يحسد الشجاع العالم لأنّ مقصده أن يذكر بالشجاعة ويشتهر بها ويتفرّد بهذه الخصلة ، ولا يزاحمه العالم على هذا الغرض ، وكذلك يحسد العالم العالم ولا يحسد الشجاع ، ثمّ حسد الواعظ للواعظ أكثر من حسده للفقيه والطبيب لأنّ التزاحم بينهما على مقصود واحد أخصّ . فأصل هذه المحاسدات العداوة وأصل العداوة التزاحم على غرض واحد

--> ( 1 ) الزبون : الحريف ، وقال الجوهري : اما الزبون للغبي والحريف فليس من كلام أهل البادية .