الفيض الكاشاني

332

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

وقالت صفيّة بنت حيي للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : جاء أبي وعمّي من عندك يوما فقال أبي لعمّي : ما تقول فيه ؟ قال : أقول : إنّه النبيّ الَّذي بشّر به موسى ، قال : فما ذا ترى ؟ قال : أرى معاداته أيّام الحياة » ( 1 ) فهذا حكم الحسد في التحريم . وأمّا المنافسة فليست بحرام بل هي إمّا واجبة وإمّا مندوبة أو مباحة وقد يستعمل لفظ المنافسة بدل الحسد والحسد بدل المنافسة ، قال قثم بن العبّاس لمّا أراد هو والفضل أن يأتيا النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فيسئلانه أن يؤمّرهما على الصدقة قالا لعلي عليه السّلام حين قال لهما : لا تذهبا إليه فإنّه لا يؤمّر كما عليها فقالا له : ما هذا منك إلا نفاسة واللَّه لقد زوّجك ابنته فما نفسنا ذلك عليك ( 2 ) . أي هذا منك حسد وما حسدناك على تزويجك فاطمة ، فالمنافسة مشتقّة في اللَّغة من النفاسة والَّذي يدلّ على إباحة المنافسة قوله تعالى : « وفي ذلك فليتنافس المتنافسون » ( 3 ) ، وقال : « سابقوا إلى مغفرة من ربّكم » ( 4 ) وإنّما المسابقة عند خوف الفوت وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما إذ يجزع كلّ واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها ، فكيف وقد صرّح رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بذلك فقال : « لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه اللَّه مالا فسلَّطه على هلكته في الحقّ ، ورجل آتاه اللَّه علما فهو يعمل به ويعلَّمه الناس » ( 5 ) ثمّ فسّر ذلك في حديث أبي كبشة الأنصاريّ فقال : « مثل هذه الأمّة مثل أربعة رجال : رجل آتاه اللَّه مالا . وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله ، ورجل آتاه اللَّه علما ولم يؤته مالا فيقول : ربّ لو أنّ لي مال فلان كنت أعمل فيه بمثل عمله فهما في الأجر سواء [ وهذا منه حبّ لأن يكون له مثل ما كان له من غير حبّ زوال النعمة عنه ، قال : ( 6 ) ] ورجل آتاه اللَّه مالا فهو ينفق في معاصي

--> ( 1 ) أورده ابن إسحاق في السيرة قال : حدثني أبو بكر بن محمد بن عمر بن حزم قال حديث عن صفية فذكر نحوه وهو منقطع . ( المغني ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ج 3 ص 118 وفيه ربيعة بن حارث مكان قثم . ( 3 ) المطففين : 26 . ( 4 ) الحديد : 21 . ( 5 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4208 من حديث عبد اللَّه بن مسعود . ( 6 ) ما بين القوسين من المؤلف ( الغزالي ) ذكرها توضيحا .