الفيض الكاشاني

330

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

وقلّ حسده . وقيل : كلّ الناس أقدر على رضاه إلا حاسد نعمة فإنّه لا يرضيه إلا زوالها ولذلك قيل : كلّ العداوة قد يرجى مودّتها * إلا عداوة من عاداك من حسد وقد قال بعض الحكماء : الحسد جرح لا يبرأ وحسب الحسود ما يلقى . وقال أعرابيّ : ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد ، إنّه يرى النعمة عليك نقمة عليه . وقال بعضهم : الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمّة وذلا ، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضا ، ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغمّا ولا ينال عند النزع إلا شدّة وهولا ، ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالا . * ( بيان حقيقة الحسد وحكمه وأقسامه ومراتبه ) * اعلم أنّه لا حسد إلا على نعمة فإذا أنعم اللَّه على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان : إحداهما أن تكره تلك النعمة وتحبّ زوالها وهذه الحالة تسمّى حسدا فالحسد حدّه كراهة النعمة وحبّ زوالها من المنعم عليه . الحالة الثانية أن لا تحبّ زوالها ولا تكره وجودها ودوامها ولكنّك تشتهي لنفسك مثلها ، وهذه تسمّى غبطة وقد تخصّ باسم المنافسة . وقد تسمّى المنافسة حسدا والحسد منافسة ويوضع أحد اللَّفظين بدل الآخر ولا حجر في الأسامي بعد فهم المعاني ، وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ المؤمن يغبط والمنافق يحسد » ( 1 ) فأمّا الأوّل فهو حرام لكلّ حال إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر وهو يستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين وإيذاء الخلق ، فلا يضرّك كراهتك لها ومحبّتك لزوالها فإنّك لا تحبّ زوالها من حيث أنّها نعمة بل من حيث هي آلة الفساد ولو أمنت فساده لم تغمّك بنعمته ، ويدلّ على تحريم الحسد الأخبار الَّتي نقلناها ، وإنّ هذه الكراهة سخط لقضاء اللَّه في تفضيل بعض عباده على بعض وذلك لا عذر فيه ولا رخصة وأيّ معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك فيها مضرّة وإلى هذا أشار القرآن بقوله : « إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن

--> ( 1 ) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 307 تحت رقم 7 وقد تقدم .