الفيض الكاشاني

304

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

ويهون دفعه . * ( بيان الأسباب المهيّجة للغضب ) * قد عرفت أنّ علاج كلّ علَّة بحسم مادّتها وإزالة أسبابها ، فلا بدّ من معرفة أسباب الغضب وقد قال يحيى لعيسى عليهما السّلام : أيّ شيء أشدّ ؟ قال عيسى : الكبر والفخر والتعزّز والحميّة ، والأسباب المهيّجة للغضب هي الزهو والعجب والمزاح والهزل والهزء والتعيير والمماراة والمضادّة والغدر وشدّة الحرص على فضول المال والجاه وهي بأجمعها أخلاق رديّة مذمومة شرعا ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بدّ من إزالة هذه الأسباب بأضدادها فينبغي أن تميت الزّهو بالتواضع وتميت العجب بالمعرفة بنفسك كما سيأتي في كتاب الكبر والعجب وتزيل الفخر بأنّك من جنس عبدك إذ الناس يجمعهم في الانتساب أب وإنّما اختلفوا بالفضل أشتاتا فبنو آدم جنس واحد وإنّما الفخر بالفضائل والفخر والعجب أكبر الرذائل وهما رأسها وأصلها فإذا لم تخل عنها فلا فضل لك على غيرك فلا تفتخر وأنت من جنس عبدك من حيث البنية والنسب والأعضاء الظاهرة والباطنة ، وأمّا المزاح فتزيله بالتشاغل بالمهمّات الدّينية الَّتي تستوعب العمر وتفضل عنه إذا عرفتها ، وأمّا الهزل فتزيله بالجدّ في طلب الفضائل والأخلاق الحسنة والعلوم الدّينيّة الَّتي تبلغك إلى سعادة الآخرة ، وأمّا الهزء فتزيله بالتكرّم عن إيذاء الناس ، وبصيانة النفس عن أن يستهزئ بك ، وأمّا التعيير فبالحذر عن القول القبيح وصيانة النفس عن مرّ الجواب ، وأمّا شدّة الحرص على مزايا العيش فيزال بالقناعة بقدر الضرورة طلبا لعزّ الاستغناء وترفّعا عن ذلّ الحاجة ، وكلّ خلق من هذه الأخلاق وصفة من هذه الصفات يفتقر في علاجها إلى رياضة وتحمّل مشقّة وحاصل رياضتها يرجع إلى معرفة غوائلها لترغب النفس عنها وتنفّر عن قبحها ثمّ المواظبة على مباشرة أضدادها مدّة مديدة حتّى تصير بالعادة مألوفة هيّنة على النفس ، فإذا انمحت عن النفس فقد زكت وطهرت عن هذه الرّذائل وتخلَّصت أيضا عن الغضب الَّذي يتولَّد منها ، ومن أشدّ البواعث للغضب عند أكثر الجهّال تسميتهم الغضب شجاعة ورجوليّة وعزّ نفس وكبر همّة وتلقّبه بالألقاب المحمودة غباوة