الفيض الكاشاني

287

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

تكلَّم خاطر بنفسه إلا أن يوافقه لسان فصيح وعلم غزير وورع حاجز ومراقبة لازمة وتقليل من الكلام فعساه يسلم عند ذلك وهو مع ذلك لا ينفكّ من الخطر ، فإن كنت لا تقدر على أن تكون ممّن تكلَّم فغنم فكن ممّن سكت فسلم فالسلام إحدى الغنيمتين . * ( الآفة العشرون ) * * ( سؤال العوام عن صفات اللَّه وعن كلامه وعن الحروف قديمة هي أو محدثة ) * وحقّهم الاشتغال بالعمل بما في القرآن إلا أنّ ذلك ثقيل على النفوس والفضول خفيف على القلب ، والعاميّ يفرح بأن يخوض في العلم إذ الشيطان يخيّل إليه أنّك من العلماء وأهل الفضل فلا يزال يحبّب إليه ذلك حتّى يتكلَّم بما هو كفر وهو لا يدري وكلّ كبيرة يرتكبها العاميّ فهو أسلم له من أن يتكلَّم في العلم لا سيّما في ما يتعلَّق باللَّه وصفاته وإنّما شأن العوام الاشتغال بالعبادات والإيمان بما ورد به القرآن والتسليم بما جاء به الرّسل من غير بحث وسؤالهم عن غير ما يتعلَّق بالعبادة سوء أدب منهم يستحقّون به المقت من اللَّه تعالى ويتعرّضون لخطر الكفر وهو كسؤال ساسة الدوابّ عن أسرار الملوك وهو يوجب العقوبة ، وكلّ من سأل عن علم غامض ولم يبلغ فهمه تلك الدّرجة فهو مذموم فإنّه بالإضافة إليه عاميّ ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ذروني ما تركتكم فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه من استطعتم » ( 1 ) . وروي أنّه سأل الناس رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يوما حتّى أكثروا عليه وأغضبوه ، فصعد المنبر فقال : سلوني فلا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به ، فقام إليه رجل فقال : يا رسول اللَّه من أبي ؟ فقال : أبوك حذافة ، فقام إليه شابّان أخوان قالا : يا رسول اللَّه من أبونا ؟ فقال : أبو كما الَّذي تدعيان إليه ، ثمّ قام إليه رجل آخر فقال : يا رسول اللَّه أنا في الجنّة أو في النّار ؟ فقال : لا بل في النّار ، فلمّا رأى الناس غضب

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 2 من سننه من حديث أبي هريرة .