الفيض الكاشاني

285

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

وآفة الفتور والرّياء ، ولا ينجو عنه إلا بأن يعرف نفسه ويتأمّل في خطر الخاتمة ودقائق الرّياء وآفات الأعمال وأنّه يعرف من نفسه ما لا يعرفه المادح ولو انكشف له جميع أسراره وما يجري على خواطره لكفّ المادح عن مدحه ، وعليه أن يظهر كراهة المدح بإذلال المادح وإليه الإشارة بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « احثوا التراب في وجوه المدّاحين » ( 1 ) وقال سفيان بن عيينة : لا يضرّ المدح من عرف نفسه ، وأثنى على رجل من الصالحين فقال : اللَّهمّ إنّ هؤلاء لا يعرفوني وأنت تعرفني ، وقال آخر لمّا اثني عليه : اللَّهمّ إنّ عبدك هذا قد تقرّب إليّ بمقتك وأنا أشهدك على مقته . وقال عليّ عليه السّلام لما اثني عليه « اللَّهمّ اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني خيرا ممّا يظنّون » ( 2 ) . * ( الآفة التاسعة عشر ) * الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيّما فيما يتعلَّق باللَّه وصفاته ويرتبط بأمور الدّين فلا يقدر على تقويم اللَّفظ في أمور الدّين إلا العلماء الفصحاء فمن قصر في علم أو فصاحة لم يخل كلامه عن الزّلل ، ولكنّ اللَّه يعفو عنه لجهالته مثاله ما قال حذيفة : قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لا يقل أحدكم ما شاء اللَّه وشئت ولكن ليقل ما شاء اللَّه ثمّ شئت » [ 1 ] وذلك لأنّ في العطف المطلق بالواو تشريكا وتسوية وهو على خلاف الاحتراز . وقال ابن عباس : جاء رجل إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يكلَّمه في بعض الأمور فقال : ما شاء اللَّه وشئت فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أجعلتني للَّه عدلا ؟ بل ما شاء اللَّه وحده » ( 3 ) . وخطب رجل عند رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال : من يطع اللَّه ورسوله فقد رشد ، ومن

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ج 2 ص 554 ومسلم ج 8 ص 278 من حديث مقداد وقد تقدم . ( 2 ) أورده الشريف الرضي في النهج باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السّلام تحت رقم 100 . ( 3 ) أخرجه ابن السني في اليوم والليلة ص 181 من حديث ابن عباس . [ 1 ] أخرجه أبو داود ج 2 ص 591 هكذا « لا تقولوا ما شاء اللَّه وشاء فلان ولكن قولوا : ما شاء اللَّه ثم شاء فلان » .