الفيض الكاشاني

236

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

* ( الآفة الحادية عشر السخرية والاستهزاء ) * وهذا محرّم مهما كان مؤذيا قال اللَّه تعالى : « لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم » ( 1 ) ومعنى السخريّة الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه ، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول وقد يكون بالإشارة والإيماء وإذا كان بحضرة المستهزء به لم يسمّ ذلك غيبة وفيه معنى الغيبة قالت عائشة : حاكيت إنسانا فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ما أحبّ أنّي حكيت إنسانا وأنّ لي كذا وكذا » ( 2 ) وقال ابن عباس في قوله تعالى : « يا ويلتنا ما ل هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها » ( 3 ) الصّغيرة التبسّم بالاستهزاء بالمؤمن والكبيرة القهقهة بذلك وهو إشارة إلى أنّ الضحك على الناس من الجرائم والذّنوب . وعن عبد اللَّه بن زمعة أنّه سمع النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلّم يخطب فوعظهم في ضحكهم من الضرطة ، وقال : على من يضحك أحدكم ممّا يفعل » ( 4 ) . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم من باب الجنّة فيقال : هلمّ هلمّ فيجيئ بكر به وغمّه فإذا أتاه أغلق دونه ، ثمّ يفتح له باب آخر فيقال : هلمّ هلمّ فيجيئ بكر به وغمّه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزاله كذلك حتّى أنّ الرّجل ليفتح له الباب فيقال : هلمّ هلمّ فما يأتيه » ( 5 ) وقال معاذ بن جبل : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من عيّر أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتّى يعمله » ( 6 ) وكلّ هذا يرجع إلى استحقار الغير والضحك عليه استهانة به واستصغارا له ، وعليه نبّه قوله تعالى : « عسى أن يكونوا خيرا منهم » ( 7 ) أي لم تسخر به استصغارا ولعلَّه خير منك

--> ( 1 ) الحجرات : 11 . ( 2 ) أخرجه الترمذي ج 9 ص 310 وقال هذا حديث حسن صحيح . ( 3 ) الكهف : 49 . ( 4 ) متفق عليه من حديث عبد اللَّه بن زمعة . ( 5 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والبيهقي في الشعب من حديث الحسن مرسلا كما في الترغيب ج 3 ص 611 . ( 6 ) أخرجه الترمذي ج 9 ص 311 . ( 7 ) الحجرات : 11 .