الفيض الكاشاني
216
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « يا عائشة لو كان الفحش رجلا لكان رجل سوء » ( 1 ) . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « البذاء والبيان شعبتان من شعب النفاق » ( 2 ) ويحتمل أن يكون المراد بالبيان هو كشف ما لا يجوز كشفه ، ويحتمل أيضا المبالغة في الإيضاح حتّى ينتهي إلى حدّ التكلَّف ، ويحتمل أيضا البيان في أمور الدّين في صفات اللَّه تعالى فإنّ إلقاء ذلك مجملا إلى أسماع العوام أولى من المبالغة في بيانه إذ قد يثور من غاية البيان فيه شكوك ووساوس ، وإذا أجملت بادرت القلوب إلى القبول ولم يضطرب ولكن ذكره مقرونا بالبذاء يشبه أن يكون المراد به المجاهرة بما يستحي الإنسان من بيانه فإنّ الأولى في مثله الإغماض والتّغافل دون الكشف والبيان . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ اللَّه تعالى لا يحبّ الفاحش المتفحّش الصياح في الأسواق » ( 3 ) . وقال جابر بن سمرة : كنت جالسا عند رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وأبي وأمّي فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ الفحش والتفحّش ليسا من الإسلام في شيء ، وإنّ أحسن الناس إسلاما أحاسنهم أخلاقا » ( 4 ) . فهذه مذمّة الفحش ، فأمّا حدّه وحقيقته فهو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارة الصريحة ويجري أكثر ذلك في ألفاظ الوقاع وما يتعلَّق به ، فإنّ لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه وأهل الصلاح يتحاشون من التعرّض لها بل يكنون عنها ويدلَّون عليها بالرّموز ويذكرون ما يقاربها ويتعلَّق بها ، قال ابن عبّاس : إنّ اللَّه حييّ كريم يعفو ويكني كني باللَّمس عن الجماع فالمسّ واللَّمس والدّخول والصحبة كنايات عن الوقاع وليست بفاحشة وهناك عبارات فاحشة يستقبح ذكرها ويستعمل أكثرها في الشتم والتعبير وهذه العبارات متفاوتة في الفحش وبعضها
--> ( 1 ) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 325 تحت رقم 12 . ( 2 ) أخرجه الترمذي ج 8 ص 183 . والحاكم في المستدرك ج 1 ص 9 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الأدب المفرد من حديث جابر بسند حسن كما في الجامع الصغير . ( 4 ) أخرجه ابن أبي الدنيا وأحمد باسناد صحيح كما في المغني .