الفيض الكاشاني

209

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « تكفير كلّ لحاء ركعتان » ( 1 ) وحدّ المراء هو كلّ اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إمّا في اللَّفظ وإمّا في المعنى وإمّا في قصد المتكلَّم . وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض ، فكلّ كلام سمعته فإن كان حقّا فصدّق به وإن كان باطلا ولم يكن متعلقا بأمور الدّين فاسكت عنه ، والطعن في كلام الغير تارة يكون في لفظه بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو من جهة اللَّغة أو العربيّة ، أو من جهة النظم والترتيب بسوء تقديم وتأخير ، وذلك تارة يكون من قصور المعرفة وتارة يكون بطغيان اللَّسان وكيفما كان فلا وجه لإظهار خلله ، وأمّا في المعنى بأن يقول : ليس كما تقول وقد أخطأت فيه لكذا وكذا ، وأمّا في قصده مثل أن يقول : هذا الكلام حقّ ولكن ليس قصدك منه الحقّ ، وإنّما أنت فيه صاحب غرض وما يجري مجراه وهذا الجنس إن جرى في مسئلة علميّة ربّما خصّ باسم الجدل وهو أيضا مذموم بل الواجب السّكوت عنه أو السّؤال في معرض الاستفادة لا على صيغة العناد والنكارة ، أو التلطَّف في التعريف لا في معرض الطعن فإنّما المجادلة عبارة عن قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه من جهة القدح في كلامه ونسبته إلى القصور والجهل فيه وآية ذلك أن يكون تنبيهه للحقّ من جهة أخرى مكروهة عند المجادل ، بل يحبّ أن يكون هو المظهر له خطأه ليبيّن به فضل نفسه ونقصان صاحبه ولا نجاة من هذا إلا بالسّكوت عن كلّ مالا يأثم به لو سكت ، وأمّا الباعث على هذا فهو الترفّع بإظهار الفضل والتهجّم على الغير بإظهار نقصه وهما شهوتان باطنتان للنفس قويّتان ، وأمّا إظهار الفضل فهو من تزكية النفس وهي من مقتضى ما في العبد من طغيان دعوى العلوّ والكبرياء وهي من صفات الرّبوبيّة ، وأمّا تنقيص الآخر من مقتضى طبع السبعيّة فإنّه يقتضي أن يمزّق غيره ويقصمه ويصدمه ويؤذيه وهاتان صفتان مذمومتان مهلكتان وإنّما قوّتهما بالمراء والجدال فالمواظب عليهما مقوّ لهذه الصّفات المهلكة ، وهذا مجاوز حدّ الكراهية ، بل هو معصية مهما حصل فيه إيذاء الغير ، ولا تنفكّ المماراة عن الإيذاء وتهييج الغضب وحمل المعترض عليه على أن

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة بسند ضعيف كما في الجامع الصغير .