الفيض الكاشاني
203
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
به غيرك فتقول : ما ذا تقول وفيم أنت ، وكذلك ترى إنسانا في الطريق فتقول : من أين وربما يمنع مانع من ذكره فإن ذكره تأذّى واستحيي وإن لم يصدق وقع في الكذب وكنت السّبب فيه ، وكذلك تسأل عن مسئلة لا حاجة بك إليها فالمسئول ربّما لا يسمح نفسه بأن يقول : لا أدري فيجيب عن غير بصيرة ولست أعني بالتكلَّم بما لا يعني هذه الأجناس فإنّ هذا يتطرّق إليه إثم أو ضرر ، وإنّما مثال ما لا يعني ما يروى أنّ لقمان دخل على داود عليه السّلام وهو يسرد الدّرع ولم يكن رآها قبل ذلك فجعل يتعجّب ممّا يرى فأراد أن يسأله عن ذلك فمنعته الحكمة ، فأمسك نفسه ولم يسأله فلمّا فرغ قام داود ولبسها فقال : نعم الدّرع للحرب ، فقال لقمان : الصّمت حكم وقليل فاعله ، أي حصل العلم به من غير سؤال فاستغنى عن السؤال . وقيل : كان قد يتردّد إليه سنة وهو يريد أن يعلم ذلك ولم يسأل . فهذا وأمثاله من الأسولة إذا لم يكن فيها ضرر وهتك ستر وتوريط في رياء وكذب فهو ممّا لا يعني وتركه من حسن الإسلام . فهذا حدّه وأمّا سببه الباعث عليه فالحرص على معرفة ما لا حاجة به إليه أو المباسطة بالكلام على سبيل التودّد أو تزجية الوقت بحكايات أحوال لا فائدة فيها ، وعلاج ذلك كلَّه أن يعلم أنّ الموت بين يديه وأنّه مسؤول عن كلّ كلمة ، وأنّ أنفاسه رأس ماله ، وأنّ لسانه شبكة يقدر على أن يقتنص بها الحور العين فإهماله وتضييعه خسران ، هذا علاجه من حيث العلم ، وأمّا علاجه من حيث العمل فالعزلة وأن يضع في فيه حجرا وأن يلزم نفسه السكوت عن بعض ما يعنيه ليتعوّد اللَّسان ترك ما لا يعنيه ، وضبط اللَّسان في هذا على غير المعتزل شديد جدّا . * ( الآفة الثانية فضول الكلام ) * وهو أيضا مذموم وهذا يتناول الخوض في ما لا يعني والزيادة في ما يعني على قدر الحاجة ، فإنّ من يعنيه أمر يمكنه أن يذكره بكلام مختصر ويمكنه أن يجسّمه ويقرّره ويكرّره ومهما تأدّى مقصوده بكلمة واحدة فذكر كلمتين فالثانية فضول أي فضل على الحاجة وهو أيضا مذموم لما سبق ، وإن لم يكن فيه إثم ولا ضرر ،