الفيض الكاشاني
196
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
وقال عيسى عليه السّلام : « العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت وجزء في الفرار عن الناس » . وقال نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به » ( 1 ) . أقول : وروي في كتاب مصباح الشريعة عن مولانا الصادق عليه السّلام أنّه قال : « الصّمت شعار المحقّقين بحقائق ما سبق ، وجفّ به القلم ، وهو مفتاح كلّ راحة من الدّنيا والآخرة ، وفيه رضا الرّبّ ، وتخفيف الحساب ، والصون من الخطايا والزّلل ، قد جعله اللَّه سترا على الجاهل ، وزينا للعالم ، ومعه عزل الهوى ، ورياضة النّفس ، وحلاوة العبادة ، وزوال قسوة القلب ، والعفاف والمروّة والظرف ، فأغلق باب لسانك عمّا لك منه بدلا سيّما إذا لم تجد أهلا للكلام والمساعد في المذاكرة للَّه وفي اللَّه ، وكان الربيع بن خثيم يضع قرطاسا بين يديه فيكتب كلّ ما يتكلَّم به ، ويحاسب نفسه عشيّته ، ما له وما عليه ، ويقول : آوه نجا الصامتون وبقينا ، وكان بعض أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يضع حصاة في فمه فإذا أراد أن يتكلَّم بما علم أنّه للَّه وفي اللَّه ولوجه اللَّه أخرجها فإنّ كثير أصحابه - رضي اللَّه عنهم - كانوا يتنفّسون تنفّس الغرقى ويتكلَّمون شبه المرضى وإنّما سبب هلاك الخلق ونجاتهم الكلام والصمت ، فطوبى لمن رزق معرفة عيب الكلام وصوابه وعلم الصمت وفوائده فإنّ ذلك من أخلاق الأنبياء وشعار الأصفياء ومن علم قدر الكلام أحسن صحبة الصمت ومن أشرف على ما في لطايف الصمت وائتمنه على خزائنه كان كلامه وصمته كلَّه عبادة ولا يطلع على عبادته هذه إلا الملك الجبّار » ( 2 ) . وفي الكتاب المذكور عنه عليه السّلام أيضا أنّه قال : « الكلام إظهار ما في القلب من الصفا والكدر ، والعلم والجهل ، قال أمير المؤمنين عليه السّلام : المرء مخبوء تحت لسانه ، فزن كلامك وأعرضه على العقل والمعرفة ، فإن كان للَّه وفي اللَّه فتكلَّموا به ،
--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر كما في الجامع الصغير . ( 2 ) المصدر الباب السابع والعشرون في الصمت .