الفيض الكاشاني

79

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

وحده أو تبع قوما لا طعام لهم ولا شراب فإن كان ممّن يصبر على الجوع أسبوعا وعشرة أيّام مثلا ويقدر على أن يجتزي بالحشيش فله ذلك ، وإن لم يكن له قوّة الصبر على الجوع ولا القدرة على الاجتزاء بالحشيش فخروجه من غير زاد معصية فإنّه ألقى نفسه بيده إلى التهلكة ، ولهذا سرّ سيأتي في كتاب التوكَّل وليس معنى التوكَّل التباعد عن الأسباب بالكلَّية ولو كان كذلك لبطل التوكَّل بطلب الدلو والحبل ونزح الماء من البئر ولوجب أن يصبر حتّى يسخّر اللَّه تعالى ملكا أو شخصا آخر حتّى يصبّ الماء في فيه ، فإن كان حفظ الدّلو والحبل لا يقدح في التوكَّل وهو آلة الوصول إلى المشروب فحمل عين المشروب والمطعوم حيث لا ينتظر له وجود أولى بأن لا يقدح فيه ، وسيأتي حقيقة التوكَّل في موضعه فإنّه ملتبس إلا على المحقّقين من علماء الدّين . وأمّا زاد الآخرة فهو العلم الَّذي يحتاج إليه في طهارته وصومه وصلاته وعباداته فلا بدّ وأن يتزوّد منه إذ السفر تارة يخفّف عليه أمورا فيحتاج إلى معرفة القدر الَّذي يخفّفه السفر كالقصر والجمع والفطر وتارة يشدّد عليه أمورا كان مستغنيا عنها في الحضر ، كالعلم بالقبلة وأوقات الصّلوات فإنّه في البلد مكفيّ بغيره من محاريب المساجد وأذان المؤذّنين وفي السفر قد يحتاج أن يتعرّف بنفسه فإذن ما يفتقر إلى تعلَّمه ينقسم إلى قسمين : » . أقول : الآن فلندع البدع الَّتي ذكرها أبو حامد في هذا الباب من تجويزه المسح على الخفّين في السفر ، وجعله القصر والفطر فيه من الرّخص دون العزائم ، وتخصيصه جواز الجمع بين الصلاتين بالسفر ، وكذا عدّه جواز التيمّم عند تعذّر الماء من رخصه ، إلى غير ذلك من متفرّعات هذه الأحكام على مقتضى الآراء العامّيّة الفاسدة ، فإنّ المسح على الخفّين عند أهل البيت عليهم السّلام بدعة شنعاء لا بدعة فوقها . قال في الفقيه : قال الصادق عليه السّلام : « ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحدا : شرب المسكر ، والمسح على الخفّين ، ومتعة الحجّ » ( 1 ) .

--> ( 1 ) المصدر ص 12 تحت رقم 11 .