الفيض الكاشاني

4

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

إلى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة جماعة منهم ، وقال أكثرهم باستحباب المخالطة واستكثار المعارف والإخوان للتآلف والتحبّب إلى المؤمنين والاستعانة بهم في الدّين ، تعاونا على البرّ والتقوى ، والمأثور عن العلماء من الكلمات ينقسم إلى كلمات مطلقة تدّل على الميل إلى أحد الرأيين ، وإلى كلمات مقرونة بما يشير إلى علَّة الميل ، فلننقل الآن مطلقات تلك الكلمات ليتبيّن المذاهب فيها ، وما هو مقرون بذكر العلَّة نورده عند التعرّض للغوائل والفوائد » . أقول : ولنفتح أوّلا بذكر كلام مولانا الصادق عليه السّلام في هذا الباب ثمّ لنورد ما ذكره أبو حامد . قال الصّادق عليه السّلام على ما روي عنه في مصباح الشريعة [ 1 ] : « صاحب العزلة متحصّن بحصن الله ومحترس بحراسته ، فيا طوبى لمن تفرّد به سرّا وعلانية ، وهو يحتاج إلى عشر خصال : علم الحقّ والباطل ، وتحبّب الفقر ، واختيار الشدّة والزّهد واغتنام الخلوة ، والنظر في العواقب ، ورؤية التقصير في العبادة مع بذل المجهود ، وترك العجب ، وكثرة الذّكر بلا غفلة فإنّ الغفلة مصطاد الشيطان ورأس كلّ بليّة وسبب كلّ حجاب ، وخلوة البيت عمّا لا يحتاج إليه في الوقت ، قال عيسى ابن مريم عليهما السّلام : أخزن لسانك لعمارة قلبك ، وليسعك بيتك ، وفرّ من الرّياء وفضول معاشك ، وابك على خطيئتك ، وفرّ من الناس كفرارك من الأسد والأفعى فإنّهم كانوا دواء فصاروا اليوم داء ، ثمّ ألق الله متى شئت . قال ربيع بن خثيم : إن استطعت أن تكون في موضع لا تعرف ولا تعرف فافعل ، وفي العزلة صيانة الجوارح ، وفراغ القلب ، وسلامة العيش ، وكسر سلاح الشيطان ، والمجانبة من كلّ سوء ، وراحة القلب ، وما من نبيّ ولا وصيّ إلا واختار العزلة في زمانه إمّا في ابتدائه وإمّا في انتهائه » ( 1 ) .

--> ( 1 ) إلى هنا المصدر باب الرابع والعشرون . [ 1 ] ما عثرت على عنوان « العزلة » في كتب أحاديث الإمامية إلا في المصباح وإرشادة الديلمي وأكثر ما روى في هذا الباب من طريق سفيان الثوري ونظرائه فافهم .