الفيض الكاشاني
376
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
قلت : بلى ، قال : فعليّ بن أبي طالب إذن قسيم الجنّة والنّار عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ورضوان ومالك صادر ان عن أمره بأمر اللَّه تبارك وتعالى ، يا مفضّل خذ هذا فإنّه من مخزون العلم ومكنونه لا تخرجه إلا إلى أهله » . قال بعض علمائنا - رحمهم اللَّه - : إنّ هذا الحديث الشريف جوهرة نفيسة ، ودرّة ثمينة قد أفاد مولانا الصادق عليه السّلام وفيه فوائد جمّة لا يذهب على أولى النهي : منها أنّ المراد بمحبّة أمير المؤمنين عليه السّلام ما يورث المعرفة بمقامه عليه السّلام إذ هو الَّذي يساوق الإيمان وإن ليس المراد بها محبّة شخصه الموجود في الدّنيا مدّة المحسوس بالحواسّ الجزئيّة ، بل المراد محبّة حقيقة الإلهيّة ومقامه العقلي الكلَّيّ الَّذي كان قبل أن يخلق الخلق ، وأنّ نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أرسل إلى سائر الأنبياء وأوصيائهم عليهم السّلام في مقامه العقليّ الكلَّيّ ، وبشّرهم وأنذرهم وهم يومئذ مكلَّفون بطاعته وامتثال أمره واجتناب معصيته ، تصديقا لقوله سبحانه : « هذا نذير من النذر الأولى » ، وإنّه الضامن على اللَّه ما وعد به أهل الاستجابة والطاعة وما توعّد به أهل التكذيب والمعصية وأنّ أمير المؤمنين عليه السّلام خليقته على ذلك كلَّه في سائر أمّته من الأوّلين والآخرين سواء الأنبياء والأمم ، وإنّ حكمه جار على سدنة الجنان وعلى خزنة النّيران ، يصدرون عن أمره ونهيه ، وإنّ الملائكة متعبّدون بالاستغفار لشيعته كتعبّدهم بالتوحيد والنبوّة والولاية ، قال اللَّه تعالى : « الَّذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون للَّذين آمنوا ربّنا وسعت كلّ شيء رحمة وعلما فاغفر للَّذين تابوا واتّبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم » انتهى كلامه . وليكن هذا آخر الكلام في كتاب أخلاق الإمامة وآداب الشيعة وبتمامه تمّ ربع العادات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء ويتلوه إن شاء اللَّه في ربع المهلكات كتاب عجائب القلب والحمد للَّه أوّلا وآخرا وظاهرا وباطنا .