الفيض الكاشاني

34

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

خالقه وأنّ أحدا لا يقدر أن يضرّه ولا ينفعه ، وعبد سقطت نفسه عن قلبه فلا يبالي بأيّ حال يرونه . وقال بعضهم : ما من أحد إلا وله محبّ ومبغض ، فإذا كان كذلك فكن مع أهل الطاعة . وقال موسى على نبيّنا وآله وعليه السلام : يا ربّ احبس عنّي ألسنة النّاس ، فقال : هذا شيء لم أصطنعه لنفسي فكيف أفعله لك ؟ . وأوحى الله تعالى إلى عزير : إن لم تطب نفسا بأن أجعلك علكا ( 1 ) في أفواه الماضغين لم أكتبك عندي من المتواضعين . فإذن من حبس نفسه في البيت ليحسن اعتقادات الناس وأقوالهم فيه فهو في غيّ ظاهر حاضر في الدّنيا « ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون » فإذن لا يستحبّ العزلة إلا لمستغرق الأوقات بربّه ذكرا وفكرا وعبادة وعلما بحيث لو خالط الناس لضاعت أوقاته ، أو كثرت آفاته ، وتشوّشت عليه عباداته ، فهذه غوائل خفيّة في اختيار العزلة ينبغي أن يتّقى فإنّها مهلكات في صور منجيات . الفائدة السابعة التجارب فإنّها تستفاد من مخالطة الخلق ومجاري أحوالهم والعقل الغريزي ليس كافيا في تفهّم مصالح الدّين والدّنيا وإنّما تفيدها التجربة والممارسة ولا خير في عزلة من لم تحنكه التجارب ، فالصبيّ إذا اعتزل بقي غمرا جاهلا ( 2 ) بل ينبغي أن يشتغل بالتّعلم ويحصل له في مدّة التعلَّم ما يحتاج إليه من التجارب ويكفيه ذلك ويحصل بقيّة التّجارب بسماع الأحوال فلا يحتاج إلى المخالطة ومن أهمّ التجارب أن يجرّب نفسه وأخلاقه وصفات باطنه وذلك لا يقدر عليه في الخلوة ، فإنّ كلّ مجرّب في الخلاء يسر ، وكلّ غضوب أو حسود أو حقود إذا خلا ونفسه لم يترشّح منه خبثه ، وهذه الصفات مهلكات في أنفسها فيجب قلعها أو قهرها ولا يكفي تسكينها بالتباعد عمّا يحرّكها فمثال القلب المشحون بهذه الخبائث مثال

--> ( 1 ) علكته علكا : مضغته ، وعلك الفرس اللجام : لاكه ، والعلك مثل حمل كل صمغ يعلك من لبان وغيره فلا يسيل ( المصباح ) . ( 2 ) حنكه فهمه وأحكمه . والغمر : من لم يجرب .