الفيض الكاشاني

32

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

ثوابا . وكذلك إذا كان من العلماء وأذن لهم في الزّيارة نالوا ثواب الزّيارة وكان هو بالتمكين سببا فيه فينبغي أن يزن ثواب هذه المخالطات بآفاتها الَّتي ذكرناها وعند ذلك قد تترجّح العزلة وقد تترجّح المخالطة فقد حكي عن جماعة من السلف ترك إجابة الدّعوات وعيادة المرضى وحضور الجنائز بل كانوا أحلاس بيوتهم لا يخرجون إلا إلى الجمعة أو زيارة القبور ، وبعضهم فارق الأمصار وانحاز إلى قلل الجبال تفرّغا للعبادة وفرارا من الشواغل . الفائدة السادسة من المخالطة التواضع فإنّه من أفضل المقامات ولا يقدر عليه في الوحدة وقد يكون الكبر سببا في اختيار العزلة فقد روي في الإسرائيليّات أنّ حكيما من الحكماء صنّف ثلاثمائة وستّين مصحفا في الحكمة حتّى ظنّ أنّه قد نال عند الله منزلة ، فأوحى الله إلى نبيّ زمانه قل لفلان : إنّك قد ملأت الأرض نفاقا وإنّي لا أقبل من نفاقك شيئا قال : فتخلَّى وانفرد في سرب تحت الأرض وقال : الآن بلغت محبّة ربي فأوحى الله تعالى إلى نبيّه قل له إنّك لن تبلغ رضاي حتّى تخالط الناس فتصبر على أذاهم ، قال : فدخل الأسواق وخالط العامّة وجالسهم وواكلهم فأكل الطعام بينهم ومشى في الأسواق معهم فأوحى الله إليه قل له : الآن قد بلغت رضائي ، فكم من معتزل في بيته وباعثه التكبّر ومانعه عن المحافل أن لا يوقّر أو لا يقدّم ، أو يرى الترفّع عن مخالطتهم أرفع لمحلَّه وأبقى لطراوة ذكره بين النّاس وقد يعتزل خيفة من أن تظهر مقابحه لو خالط الناس فلا يعتقد فيه الزّهد والاشتغال بالعبادة فيتّخذ البيت سترا على مقابحه ، إبقاء على اعتقاد الناس في زهده وتعبّده من غير استغراق وقت في الخلوة بذكر أو فكر ، وعلامة هؤلاء أنّهم يحبّون أن يزاروا ولا يحبّون أن يزوروا ويفرحون بتقرّب العوام والسلاطين إليهم واجتماعهم على باب أحدهم وطرقهم وتقبيلهم يده على سبيل التبرّك ولو كان الاشتغال بنفسه هو الَّذي يبغّض إليه المخالطة وزيارة الناس لبغّض إليه زيارتهم له ، فمن ليس مشغولا مع نفسه بذكر الله فاعتزاله عن الناس سببه شدّة اشتغاله بالناس ، لأنّ قلبه متجرّد للالتفات إلى نظرهم إليه بعين الوقار والاحترام والعزلة بهذا السبب جهل من وجوه :