الفيض الكاشاني
29
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
تأمّل أنّ فساد الزّمان لا سبب له إلا كثرة أمثال أولئك الفقهاء الَّذين يأكلون ما يجدون ولا يميّزون بين الحلال والحرام فتلحظهم أعين الجهّال ويستجرؤون على المعاصي باستجرائهم ، اقتداء بهم واقتفاء لآثارهم ، ولذلك قيل : ما فسدت الرّعية إلا بفساد الملوك وما فسدت الملوك إلا بفساد العلماء ، فنعوذ باللَّه من الغرور والعمى ، فإنّه الدّاء الدّفين الَّذي ليس له دواء . الفائدة الثانية النفع والانتفاع ، وأمّا الانتفاع بالناس فبالكسب والمعاملة ، وذلك لا يتأتّى إلا بالمخالطة ، والمحتاج إليه مضطرّ إلى ترك العزلة فيقع في جهاد من المخالطة إن طلب موافقة الشرع فيه كما ذكرنا في كتاب الكسب وإن كان معه مال لو اكتفى به قانعا لأقنعه فالعزلة أفضل له إذا انسدّت طرق المكاسب في الأكثر إلا من المعاصي إلا أن يكون غرضه الصدقة بكسبه فإذا اكتسب من وجهه وتصدّق فهو أفضل من العزلة للاشتغال بالنافلة ، وليس بأفضل من العزلة للاشتغال بالتحقيق في معرفة الله ومعرفة علوم الشرع ولا من الإقبال بكنه الهمّة على الله والتجرّد بها لذكر الله ، أعني من حصل له أنس بمناجاة الله عن كشف وبصيرة لا عن تعبير أوهام وخيالات فاسدة ، وأمّا النفع فهو أن ينفع الناس إمّا بماله أو ببدنه فيقوم بحاجاتهم على سبيل الحسبة ، ففي النهوض بقضاء حوائج المسلمين ثواب وذلك لا ينال إلا بالمخالطة ومن قدر عليه من القيام بحدود الشرع فهو أفضل له من العزلة إن كان لا يشتغل في عزلته إلا بنوافل الصلوات والأعمال البدنيّة وإن كان ممّن انفتح له طريق العمل بالقلب بدوام ذكر أو فكر فذلك لا يعدل به غيره البتّة . الفائدة الثالثة التأديب والتّأدّب ونعني به الارتياض بمقاساة الناس والمجاهدة في تحمّل أذاهم كسرا للنفس ، وقهرا للشهوات ، وهي من الفوائد الَّتي تستفاد بالمخالطة ، وهي أفضل من العزلة في حقّ من لم يتهذّب بعد أخلاقه ولم تذعن لحدود الشرع شهواته ، وذلك ممّا يحتاج إليه في بداية الإرادة فبعد حصول الارتياض ينبغي أن يفهم أنّ الدّابّة لا يطلب من رياضتها عين رياضتها بل المراد بها أن يتّخذ مركبا يقطع به المراحل ، ويطوي على ظهره الطريق ، فالبدن هو مطيّة القلب