الفيض الكاشاني

27

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

هلكى على طلب الدنيا ومتكالبين عليها أو راغبين عنها وزاهدين فيها ، وليس الخبر كالمعاينة . واعلم أنّ العلم الَّذي أشار إليه سفيان هو علم الحديث وتفسير القرآن ومعرفة سير الأنبياء والصحابة فإنّ فيها التخويف والتحذير وهي سبب لإثارة الخوف من الله فإن لم يؤثّر في الحال أثّر في المال ، فأمّا الكلام والفقه المجرّد الَّذي يتعلَّق بفتاوي المعاملات وفصل الخصومات لا يردّ الراغب فيه للدّنيا إلى الله بل لا يزال متماديا في حرصه إلى آخر عمره ، ولعلّ ما أودعناه هذا الكتاب إن تعلَّمه المتعلَّم رغبة في الدّنيا فيجوز أن يرخّص فيه إذ يرجى أن ينزجر به في آخر عمره فإنّه مشحون بالتخويف باللَّه وبالترغيب في الآخرة والتحذير من الدّنيا وذلك ممّا يصادف في الأحاديث وتفسير القرآن ولا يصادف في كلام ولا فقه فلا ينبغي أن يخادع الإنسان نفسه فإنّ المقصّر العالم بتقصيره أسعد حالا من الجاهل المغرور أو المتجاهل المغبون ، فكلّ عالم اشتدّ حرصه على التعليم يوشك أن يكون غرضه الجاه والقبول ، وحظَّه تلذّذ النفس في الحال باستشعار الإدلال على الجهّال والتكبّر عليهم ، فآفة العلم الخيلاء كما قاله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم [ 1 ] وقد نبّهنا على ذلك في كتاب العلم . والحزم الاحتراز بالعزلة وترك الاستكثار من الأصحاب ما أمكن بل الَّذي يطلب الدّنيا بتدريسه وتعليمه فالصواب له إن كان عاقلا في هذا الزمان أن يتركه ، فلقد صدق أبو سليمان الخطابي حيث قال : دع الرّاغبين في صحبتك والتعلَّم منك فليس لك منهم مال ولا جمال ، إخوان العلانية أعداء السرّ ، إذا لقوك تملَّقوك ، وإذا غبت عنهم سلقوك ، من أتاك كان عليك رقيبا وإذا خرج كان عليك خطيبا ، أهل نفاق ونميمة ، وغلّ وخديعة ، فلا تغترّ باجتماعهم عليك فما غرضهم العلم بل الجاه والمال ، وأن يتّخذوك سلَّما إلى أوطارهم ، وحمارا في حاجاتهم ، إن قصرت في

--> [ 1 ] قال العراقي : المعروف ما رواه مطين في مسنده من حديث علي بن أبي طالب بسند ضعيف هكذا « آفة العلم النسيان ، وآفة الجمال الخيلاء » .