الفيض الكاشاني

209

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

ثمّ الدار » ( 1 ) . وعن عايشة قالت : لمّا مرض رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم دعا ابنته فاطمة فسارّها فبكت ثمّ سارّها فضحكت ، فسألتها عن ذلك فقالت : أما حيث بكيت فإنّه أخبرني أنّه ميّت فبكيت ، ثمّ أخبرني أنّي أوّل أهل بيته لحوقا به فضحكت ( 2 ) . قال عليّ بن عيسى الإربلي ( 3 ) - رحمه اللَّه - أنّ الطباع البشرية مجبولة على كراهة الموت مطبوعة عن النّفور منه ، محبّة للحياة ومائلة إليها حتّى أنّ الأنبياء عليهم السّلام على شرف مقاديرهم وعظم أخطارهم ومكانتهم من اللَّه ومنازلهم من محالّ قدسه وعلمهم بما تئول إليه أحوالهم وتنتهي إليه أمورهم أحبّوا الحياة ومالوا إليها وكرهوا الموت ونفروا منه ، وقصّة آدم عليه السّلام مع طول عمره وامتداد أيّام حياته مع داود عليه السّلام مشهورة ، وكذلك حكاية موسى عليه السّلام مع ملك الموت وكذلك إبراهيم عليه السّلام . وفاطمة عليها السّلام امرأة حديثة عهد بالصبي ذات أولاد صغار وبعل كريم لم تقض من الدّنيا إربا ( 4 ) وهي في غضارة عمرها وعنفوان شبابها يعرّفها أبوها أنّها سريعة اللَّحاق به فتسلو بموت أبيها وتضحك طيبة نفسها بفراق الدّنيا وفراق بنيها وبعلها فرحة بالموت ، مائلة إليه ، مستبشرة بهجومه ، مسترسلة عند قدومه ، وهذا أمر عظيم لا تحيط الألسن بصفته ولا تهتدي القلوب إلى معرفته ، وما ذاك إلا لأمر علمه اللَّه من أهل هذا البيت الكريم ، وسرّ أوجب لهم به مزيد التقديم ، فخصّهم بباهر معجزاته ، وأظهر عليهم آثار علائمه وسماته ، وأيّدهم ببراهينه الصادعة ودلالاته واللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته . وفي الفقيه أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال لرجل من بني سعد : « ألا أحدّثك عنّي وعن فاطمة الزهراء عليها السّلام أنّها كانت عندي فاستقت بالقربة حتّى أثّر في صدرها ، وطحنت بالرحى حتّى مجلت يدها ، وكسحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها ، وأوقدت تحت القدر حتّى دكنت ثيابها ، فأصابها من ذلك ضرّ شديد ، فقلت لها : لو أتيت أباك فسألته خادما يكفيك حرّما أنت فيه من هذا العمل ، فأتت النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فوجدت عنده أحداثا فاستحيت فانصرفت فعلم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّها جاءت لحاجة فغدا علينا

--> ( 1 ) المصدر ص 135 و 136 . ( 2 ) المصدر ص 135 و 136 . ( 3 ) المصدر ص 135 و 136 . ( 4 ) الإرب : الحاجة .