الفيض الكاشاني
188
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
كان للدّين يعسوبا [ 1 ] أوّلا حين تفرّق الناس ، وآخرا حين فشلوا ، كان للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليه عيالا ، فحمل أثقال ما عنه ضعفوا ، وحفظ ما أضاعوا ، ورعى ما أهملوا ، وشمّر إذ اجتمعوا ، وشهد إذ جمعوا وعلا إذ هلعوا [ 2 ] وصبر إذ جزعوا . كان على الكافرين عذابا صبّا ، وللمؤمنين غيثا وخصبا ، لم تفلل حجّته [ 3 ] ولم يزغ قلبه ، ولم تضعف بصيرته ، ولم تجبن نفسه ولم يهن . كان كالجبل لا تحرّكه العواصف ، ولا تزيله القواصف ، وكان كما قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ضعيفا في بدنه ، قويّا في أمر اللَّه ، متواضعا في نفسه ، عظيما عند اللَّه ، كبيرا في الأرض ، جليلا عند المؤمنين ، لم يكن لأحد فيه مهمز ، ولا لقائل فيه مغمز [ 4 ] ، ولا لأحد فيه مطمع ، ولا لأحد عنده هوادة [ 5 ] ، الضعيف الذّليل عنده قويّ عزيز حتّى يأخذ له بحقّه ، والقويّ العزيز عنده ضعيف ذليل حتّى يأخذ منه الحقّ ، والقريب والبعيد عنده في ذلك سواء ، شأنه الحقّ والصدق والرفق ، وقوله حكم وحتم ، وأمره حلم وحزم ، ورأيه علم وعزم ، اعتدل به الدّين ، وسهل به العسير ، وأطفئت به النيران ، وقوي به الإيمان ، وثبت به الإسلام والمؤمنون ، كان للمؤمنين
--> [ 1 ] في القاموس في مادة عسب : اليعسوب أمير النحل وذكرها ، والرئيس الكبير . [ 2 ] الهلع - محركة - : الجبن حين لقاء العدو والجزع . [ 3 ] أي مصبوبا بكثرة ، شبهه بالمطر الغزير الوابل ، فالمصدر بمعنى المفعول ، والخصب بالكسر : كسرة العشب ورفاهة العيش . وقوله : لم تفلل حجته على بناء المجهول من المجرد أو بناء المعلوم من باب التفعل بحذف إحدى التائين ، وفي القاموس فله وفلله : ثلمه فتفلل وأنفل . [ 4 ] المهمز والمغمز مصدران أو أسماء مكان من الهمز والغمز وهما بمعنى ، أو الهمز الغيبة والوقيعة في الناس وذكر عيوبهم ، والغمز : الإشارة بالعين خاصة أو بالعين والحاجب واليد . وفي فلان مغمز أي مطعن . [ 5 ] في النهاية : في الحديث « لا تأخذه في اللَّه هوادة » أي لا يسكن عند وجوب حد للَّه تعالى ولا يحابي فيه أحد ، والهوادة : السكون والرخصة والمحاباة .