الفيض الكاشاني

121

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

ولا يغتب بعضكم بعضا - الآية - » ( 1 ) . ولمّا كسرت رباعيته يوم أحد فجعل الدّم يسيل على وجهه وهو يمسحه ويقول : « كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم بالدّم وهو يدعوهم إلى ربّهم « فأنزل اللَّه تعالى : « ليس لك من الأمر شيء » ( 2 ) تأديبا له على ذلك ، وأمثال هذا التأديب في القرآن لا تنحصر وهو المقصود الأوّل بالتأديب والتهذيب ، ثمّ منه يشرق النور على كافّة الخلق فإنّه أدّب بالقرآن وأدّب الخلق به ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق » ( 3 ) ثمّ رغَّب الخلق في محاسن الأخلاق بما أوردناه في كتاب رياضة النفس وتهذيب الخلق فلا نعيده ، ثمّ لمّا أكمل اللَّه تعالى خلقه أثنى عليه فقال : « وإنّك لعلى خلق عظيم » ( 4 ) فسبحانه ما أعظم شأنه وأتمّ امتنانه ، انظر إلى عميم لطفه كيف أعطي ثمّ أثنى عليه فهو الَّذي زيّنه بالخلق الكريم ، ثمّ أضاف إليه ذلك فقال : « وإنّك لعلى خلق عظيم » بيّن لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الخلق ، ثمّ إنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بيّن للخلق « أنّ اللَّه يحبّ مكارم الأخلاق ويبغض سفسافها » ( 5 ) . وعن عليّ عليه السّلام : يا عجبا لرجل مسلم يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لقد كان ينبغي له أن يسارع إلى مكارم الأخلاق فإنّها ممّا تدلّ على سبيل النجاة ، فقال له رجل : أسمعته من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ؟ فقال : نعم : وما هو خير منه ، لمّا أتى بسبايا طيء وقعت جارية

--> ( 1 ) الحجرات : 12 . ( 2 ) آل عمران : 128 والخبر رواه البخاري ج 5 ص 127 وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنخاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أنس كما في الدر المنثور ج 2 ص 70 . ( 3 ) أخرجه البزاز في مسنده بسند جيد كما في مجمع الزوائد ج 9 ص 15 . ( 4 ) القلم : 4 . ( 5 ) أخرجه الحاكم ج 1 ص 48 والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد ج 8 ص 188 . وقال الجزري في النهاية : السفساف : الأمر الحقير والردئ من كل شيء وهو ضد المعالي والمكارم .