الفيض الكاشاني
114
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
واهتممت بجمع أموالهم ، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجصّ والآجر ، وأبوابا من الحديد ، وحجبة معهم السلاح ، ثمّ سجنت نفسك فيها منهم ، أتعبت ( 1 ) عمّالك جمع الأموال وجبايتها واتّخذت وزراء وأعوانا ظلمة إن نسيت لم يذكَّروك ، وإن أحسنت لم يعينوك ، وقوّيتهم على ظلم الناس بالأموال والكراع والسلاح ، وأمرت بأن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان نفر سمّيتهم ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف ولا الفقير ولا أحد إلا وله في هذا المال حقّ ، فلمّا رآك هؤلاء النفر الَّذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيّتك وأمرتهم أن لا يحجبوا عنك تجبي الأموال ولا تقسمها فلمّا فعلت ذلك قالوا : هذا قد خان اللَّه فما لنا لا نخونه قد سخّر لنا ، فأتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس إلا ما أرادوا ولا يخرج لك عامل فيخالف لهم أمرا إلا أقصّوه حتّى تسقط منزلته ويصغر قدره ، فلمّا انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم فكان أوّل من صانعهم عمّالك بالهدايا والأموال ليتقوّوا به على ظلم رعيّتك ، ثمّ فعل ذلك ذووا القدرة والثروة من رعيّتك لينالوا ظلم من دونهم من الرعيّة ، فامتلأت بلاد اللَّه بالطمع بغيا وفسادا ، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل فإن جاء متظلَّم حيل بينه وبين الدّخول ، وإن أراد رفع قصّته إليك عند ظهورك وحدك فقد نهيت عن ذلك ووقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم . فإن جاء ذلك الرّجل فبلغ بطانتك ، سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته ، وإن كانت للمتظلَّم به حرمة وإجابة لم يمكنه ما يريد خوفا منهم فلا يزال المتظلَّم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدفعه ويعتلّ عليه ، فإذا اجتهد وأخرج وظهرت أنت صرخ بين يديك فيضرب ضربا مبرّحا ليكون نكالا لغيره وأنت تنظر فلا تنكر ولا تعيّر ، فما بقاء الإسلام وأهله على هذا ؟ وقد كانت بنو أميّة وكانت العرب لا ينتهي إليهم المظلوم إلا رفعت ظلامته إليهم فينصف ، ولقد كان الرجل يأتي من أقصى البلاد حتّى يبلغ باب سلطانهم فينادي يا أهل الإسلام فيبتدرونه مالك ؟ مالك ؟ فيرفعون ظلامته
--> ( 1 ) في الاحياء « وبعثت عمالك في جمع الأموال » .