الفيض الكاشاني

10

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

وقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « إنّ الله يحبّ العبد التقيّ الخفيّ الغنيّ » . ( 1 ) وفي الاحتجاج بهذه الأحاديث نظر فأمّا قوله لعبد الله بن عامر لا يمكن تنزيله إلا ما عرفه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بنور النبوّة من حاله ، وإنّ لزوم البيت كان أليق به وأسلم من المخالطة فإنّه لم يأمر جميع الصحابة بذلك وربّ شخص تكون سلامته في العزلة لا في المخالطة كما قد تكون سلامته في القعود في البيت وأن لا يخرج في الجهاد ، وذلك لا يدلّ على أن ترك الجهاد أفضل ، وفي مخالطة الناس مجاهدة ومقاساة . ولذلك قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « الَّذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الَّذي لا يخالط النّاس ولا يصبر على أذاهم » ( 2 ) وعلى هذا ينزل قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : ( 3 ) « إنّ الله يحبّ التقيّ الخفيّ » يريد إيثار الخمول وتوقّي الشهرة وذلك لا يتعلَّق بالعزلة فكم من راهب معتزل يعرفه الناس ، وكم من مخالط خامل لا ذكر له ولا شهرة ، فهذا تعرّض لأمر لا يتعلَّق بالعزلة . واحتجّوا بما روي أنّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال لأصحابه : « ألا أنبّئكم بخير الناس ؟ قالوا : بلى فأشار بيده نحو المغرب فقال : رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله ينتظر أن يغير أو يغار عليه ، ألا أنبّئكم بخير الناس بعده ؟ وأشار بيده نحو الحجاز وقال : رجل في غنمة يقيم الصّلاة ويؤتي الزكاة ويعلم حقّ الله في ماله ، اعتزل شرور الناس » ( 4 ) . فإذا ظهر أنّ هذه الأدلَّة لا شفاء فيها من الجانبين فلا بدّ من كشف الغطاء بالتصريح بفوائد العزلة ، وغوائلها ومقائسة بعضها بالبعض ليتبيّن الحقّ فيها إن شاء الله تعالى .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص بسند صحيح كما في الجامع مع الصغير وفي الاحياء « ان الله يحب العبد التقى النقي الخفي » وأخرجه مسلم من حديث سعد كما في المغني . ( 2 ) أخرجه أحمد ج 5 ص 365 من حديث رجل من أصحاب النبي وقال الراوي : أظنه ابن عمر . ( 3 ) زاد في الاحياء « رجل معتزل يعبد ربه ويدع الناس شره » فهذا إشارة إلى شرير بطبعه يتأذى الناس بمخالطته « وقوله صلَّى الله عليه وآله : « ان الله يحب - الخ - » . ( 4 ) أخرجه الطبراني من حديث أم مبشر إلا أنّه قال : نحو المشرق بدل المغرب ( المغني ) .