الفيض الكاشاني
78
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
الأوّل أنّ التلفّظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد وشهادة بإفراد المعبود ، وشرط تمام الوفاء بذلك أن لا يبقى للموحّد محبوب سوى الواحد الفرد ، فإنّ المحبّة لا تقبل الشركة ، والتوحيد باللَّسان قليل الجدوى ، وإنّما يمتحن درجة الحبّ بمفارقة المحبوبات ، والأموال محبوبة عند الخلق لأنّها آلة تمتّعهم بالدّنيا ، وبسبها يأنسون بهذا العالم ، وينفرون عن الموت مع أنّ فيه لقاء المحبوب ، فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب واستنزلوا عن المال الَّذي هو مرموقهم [ 1 ] ومعشوقهم ، ولذلك قال اللَّه تعالى : « إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنّة [ 2 ] » وذلك بالجهاد وهو مسامحة بالمهجة شوقا إلى لقاء اللَّه ، والمسامحة بالمال أهون . ولمّا فهم هذا المعنى في بذل الأموال انقسم الناس ثلاثة أقسام : فقسم صدقوا التوحيد ووفوا بعهده ، ونزّلوا عن جميع أموالهم ، فلم يدّخروا دينارا ولا درهما وأبوا أن يتعرّضوا لوجوب الزكاة عليهم حتّى قيل لبعضهم : كم يجب من الزكاة في مائتي درهم فقال له : أمّا على العوام بحكم الشرع فخمسة دراهم وأمّا نحن فيجب علينا بذل الجميع . أقول : وأحسن منه ما قاله مولانا الصادق عليه السّلام « حين سأله رجل في كم تجب الزكاة من المال ؟ فقال له : الزكاة الظاهرة أم الباطنة تريد ؟ فقال : أريدهما جميعا ، قال : أمّا الظاهرة ففي كلّ ألف خمسة وعشرون وأمّا الباطنة فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك » ( 1 ) » وفي الكافي ( 2 ) عن عبد الملك بن عمرو الأحول قال : « تلا أبو عبد اللَّه عليه السّلام هذه الآية « الَّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [ 3 ] » قال : فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده فقال : هذا الإقتار الَّذي ذكره اللَّه في كتابه ، ثمّ أخذ قبضة أخرى فأرخى كفّه ، ثمّ قال : هذا الإسراف ، ثمّ أخذ قبضة أخرى فأرخى بعضها وأمسك
--> ( 1 ) الكافي ج 3 ص 500 . ( 2 ) المصدر ج 4 ص 54 تحت رقم 1 . [ 1 ] رمق الشيء إذا أطال النظر إليه . [ 2 ] التوبة : 111 . والمهجة : الدم أو دم القلب . والروح . [ 3 ] الفرقان : 67 . والاقتتار : التضييق ، والقوام حالة الوسطى .