الفيض الكاشاني
278
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
أنس به وانغرس في قلبه حبّ المذكور ، ولا ينبغي أن يتعجّب من هذا فإنّ من المشاهد في العادات أن يذكر غائب غير مشاهد بين يدي شخص ويكرّر ذكر خصاله عنده فيحبّه وقد يعشق بالوصف وكثرة الذكر ، ثمّ إذا عشق بكثرة الذكر المتكلَّف أوّلا صار مضطرّا إلى كثرة الذكر آخرا بحيث لا يصبر عنه فإنّ من أحبّ شيئا أكثر ذكره ومن أكثر ذكر شيء وإن كان تكلَّفا أحبّه ، فكذلك أوّل الذكر متكلَّف إلى أن يثمر الأنس بالمذكور والحبّ له ، ثمّ يمتنع الصبر عنه آخرا فيصير الموجب موجبا والثمرة مثمرا وهذا معنى قول بعضهم : كابدت القرآن عشرين سنة ثمّ تنعّمت به عشرين سنة ، ولا يصدر التنعّم إلا من الأنس والحبّ ، ولا يصدر الأنس والحبّ إلا من المداومة على المكابدة والتكلَّف مدّة طويلة حتّى يصير التكلَّف طبعا ، وكيف يستبعد هذا وقد يتكلَّف الإنسان تناول طعام يستبشعه [ 1 ] أوّلا ويكابد أكله ويواظب عليه فيصير موافقا لطبعه حتّى لا يصبر عنه فالنفس معتادة متحمّلة لما تكلَّف « هي النفس ما عوّدتها تتعوّد » أي ما كلَّفتها أوّلا يصير لها طبعا آخرا ، ثمّ إذا حصل الأنس بذكر اللَّه انقطع عن غير اللَّه ، وما سوى اللَّه هو الَّذي يفارقه عند الموت ولا يبقى معه في القبر أهل ولا مال ولا ولد ولا ولاية ولا يبقى إلا ذكر اللَّه فإن كان قد أنس به تمتّع به وتلذّذ بانقطاع العوائق الصارفة عنه إذ ضرورات الحاجات في الحياة تصدّ عن ذكر اللَّه ولا يبقى بعد الموت عائق فكأنّه خلَّي بينه وبين محبوبه فعظمت غبطته وتخلَّص من السجن الَّذي كان ممنوعا فيه عمّا به أنسه ، ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ روح القدس نفث في روعي أحبب ما أحببت فإنّك مفارقه ( 1 ) » أراد به كلّ ما يتعلَّق بالدّنيا فإنّ ذلك يفنى في حقّه بالموت « فكلّ من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام » وإنّما تفنى الدّنيا بالموت في حقّه إلى أن تفنى في نفسها عند بلوغ الكتاب أجله ، وهذا الأنس يتلذّذ به العبد بعد موته إلى أن ينزل في جوار اللَّه تعالى ويترقّى من الذكر إلى اللَّقاء ، وذلك بعد أن يبعثر ما في القبور ، ويحصّل ما في
--> ( 1 ) مر الخبر في ج 1 ص 183 . [ 1 ] البشع - ككتف - من الطعام : الكريه فيه حفوف ومرارة والكريه ريح الفم الذي لا يتخلل ولا يستاك والمصدر البشاعة والبشع - محركة - .