الفيض الكاشاني

259

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

إذ لم يظهر به أنّه ليل أو نهار وبان بقوله : « إنّا أنزلناه في ليلة مباركة » ( 1 ) ولم يظهر أنّه في أي ليلة وظهر بقوله « إنّا أنزلناه في ليلة القدر » ( 2 ) وربما يظنّ في الظاهر الاختلاف بين هذه الآيات فهذا وأمثاله لا يغني فيه إلا النقل والسماع والقرآن من أوّله إلى آخره غير خال عن هذا الجنس لأنّه انزل بلغة العرب وكان مشتملا على أصناف كلامهم من إيجاز وتطويل وإضمار وحذف وإبدال وتقديم وتأخير ليكون ذلك مفحما لهم ومعجزا في حقّهم ، فكلّ من اكتفى بفهم ظاهر العربيّة وبادر إلى تفسير القرآن ولم يستظهر بالسماع والنقل في هذه الأمور فهو داخل فيمن فسّر القرآن برأيه مثل أن يفهم من الآية المعنى الأشهر منها فيميل طبعه ورأيه إليه فإذا سمعه في موضع آخر مال رأيه إلى ما سمعه من مشهور معناه وترك تتّبع النقل في كثرة معانيه فهذا ما يمكن أن يكون منهيّا دون التفهّم لأسرار المعاني كما سبق ، فإذا حصل السماع بأمثال هذه الأمور علم ظاهر التفسير وهو ترجمة الألفاظ ، ولا يكفي ذلك في فهم حقائق المعاني . ويدرك الفرق بين حقائق المعاني وظاهر التفسير بمثال وهو أنّ اللَّه تعالى قال : « وما رميت إذ رميت ولكنَّ الله رمى ( 3 ) فظاهر تفسيره واضح وحقيقة معناه غامض فإنّه إثبات للرّمي ونفي له وهما متضادّان في الظاهر ما لم يفهم أنّه رمى من وجه ولم يرم من وجه ، ومن الوجه الَّذي لم يرم رماه اللَّه وكذلك قال اللَّه تعالى : « قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم » ( 4 ) فإذا كانوا هم المقاتلين كيف يكون اللَّه هو المعذّب وإن كان اللَّه هو المعذّب بتحريك أيديهم فما معنى أمرهم بالقتال فحقيقة هذا يستمدّ من بحر عظيم من علوم المكاشفات ، لا يغني عنه ظاهر التفسير وهو أن يعلم وجه ارتباط الأفعال بالقدرة الحادثة ويفهم وجه ارتباط القدرة بقدرة اللَّه تعالى حتّى ينكشف بعد اتّضاح أمور كثيرة غامضة صدق قوله تعالى : « وما رميت إذ رميت ولكنَّ الله رمى » . ولعلّ العمر لو أنفق في استكشاف أسرار هذا المعنى وما يرتبط بمقدّماته ولواحقه لا نقطع العمر قبل استيفاء جميع لواحقه ، وما من كلمة من القرآن إلا وتحقيقها يحوج إلى

--> ( 1 ) الدخان : 3 . ( 2 ) القدر : 2 . ( 3 ) الأنفال : 17 . ( 4 ) التوبة : 14 .