الفيض الكاشاني
239
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
لينكشف له أسرارها فتحتها معاني مدفونة لا ينكشف إلا للموفّقين وإليه أشار عليّ عليه السّلام بقوله : « ما أسرّ إليّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم شيئا كتمه عن النّاس إلا أن يؤتي اللَّه تعالى عبدا فهما في كتابه فليكن حريصا على طلب ذلك الفهم » [ 1 ] ، وقال ابن مسعود : من أراد علم الأوّلين والآخرين فليثوّر القرآن [ 2 ] فأعظم علوم القرآن تحت أسماء اللَّه وصفاته إذ لم يدرك أكثر الخلق منها إلا أمورا لائقة بأفهامهم ولم يعثروا على أغوارها . وأمّا أفعاله فكذكره خلق السماوات والأرض وغيرها فليفهم التالي منها صفات اللَّه وجلاله إذ الفعل يدلّ على الفاعل فيدلّ عظمته على عظمته فينبغي أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل ، فمن عرف الحقّ رآه في كلّ شيء إذ كلّ شيء منه وإليه وبه وله فهو الكلّ على التحقيق ، ومن لا يراه في كلّ ما يراه فكأنّه ما عرفه ومن عرفه عرف أنّ كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل ، وأنّ كلّ شيء هالك إلا وجهه لا أنّه سيبطل في ثاني الحال ، بل هو الآن باطل إن اعتبر ذاته من حيث هو إلا أن يعتبر وجوده من حيث إنّه موجود باللَّه وبقدرته فيكون له بطريق التبعيّة ثبات وبطريق الاستقلال بطلان محض وهذا مبدء من مبادي علم المكاشفة ولهذا ينبغي إذا قرأ التالي قوله : « أفرأيتم ما تحرثون » . « أفرأيتم الماء الَّذي تشربون » . « أفرأيتم النار الَّتي تورون » « أفرأيتم ما تمنون » ( 1 ) أن لا يقصّر نظره على الماء والنار والحرثة والمنيّ ، بل يتأمّل في المنيّ وهو نطفة متشابهة الأجزاء ثمّ ينظر في كيفيّة انقسامها إلى اللَّحم
--> ( 1 ) الواقعة : 63 و 68 و 71 و 58 على الترتيب . [ 1 ] قال العراقي : أخرجه النسائي من رواية أبي جحيفة قال : « سألنا عليا فقلنا : هل عندكم من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم شيء سوى القرآن ؟ فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطى اللَّه عبدا فهما في كتابه . . . » وهو عند البخاري بلفظ « هل عندكم من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ما ليس في القرآن » وفي رواية « وقال مرة ما ليس عند الناس » ولأبي داود والنسائي « فقلنا : هل عهد إليك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم شيئا لم يعهده إلى الناس ؟ قال : لا إلا ما في كتابي هذا . . . » ولم يذكر « الفهم في القرآن » . [ 2 ] ثار يثور الشيء : هاج ومنه ثارت بينهم الفتنة . وثوره أي هيجه وثور الكتاب : بحث عن معانيه . ومنه « من أراد العلم فليثور القرآن » .