الفيض الكاشاني

236

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

العزيزة الظاهرة مكنون عنصرها ، وكالنجوم الزاهرة الَّتي قد يهتدي بها من لا يقف على سيرها ، فهو مفتاح الخزائن النفيسة ، وشراب الحياة الَّذي من شرب منه لم يمت ، ودواء الأسقام الَّذي من سقى منه لم يسقم ، فهذا الَّذي ذكره الحكيم نبذة من تفهيم معنى الكلام ، والزيادة عليه لا يليق بعلم المعاملة ، فينبغي أن يقتصر عليه . الثاني التعظيم للمتكلَّم فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلَّم ، ويعلم أنّ ما يقرأه ليس من كلام البشر ، وأنّ في تلاوة كلام اللَّه غاية الخطر فإنّه تعالى قال : « لا يمسّه إلا المطهّرون » ( 1 ) وكما أنّ ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهّرا فباطن معناه أيضا بحكم عزّه وجلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان منقطعا عن كلّ رجس ومستنيرا بنور التعظيم والتوقير ، وكما لا يصلح لمسّ جلد المصحف كلّ يد فلا يصلح لتلاوة حروفه كلّ لسان ولا لنيل معانيه كلّ قلب ، ولمثل هذا التعظيم كان عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف غشي عليه ، ويقول : هو كلام ربّي ، هو كلام ربّي ، فتعظيم الكلام بتعظيم المتكلَّم ولن يحضره عظمة المتكلَّم ما لم يتفكَّر في صفاته وأفعاله ، فإذا خطر بباله العرش والكرسيّ والسماوات والأرضون وما بينهما من الجنّ والإنس والدوابّ والأشجار ، وعلم أنّ الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد ، وأنّ الكلّ في قبضة قدرته ، مردّدون بين فضله ورحمته ، وبين نقمته وسطوته ، إن أنعم فبفضله ، وإن عاقب فبعدله ، وأنّه الَّذي يقول : هؤلاء في الجنّة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي ، وهذه غاية العظمة والتعالي ، فالتفكَّر في أمثال هذا يخطر تعظيم المتكلَّم ، ثمّ تعظيم الكلام . الثالث حضور القلب وترك حديث النفس ، قيل في تفسير « يا يحيى خذ الكتاب بقوّة » ( 2 ) أي بجدّ واجتهاد ، وأخذه بالجدّ أن يكون متجرّدا له عند قراءته ، منصرف الهمّ إليه عن غيره ، وقيل لبعضهم : إذا قرأت القرآن تحدّث نفسك بشيء ؟ فقال : أو شيء أحبّ إليّ من القرآن أحدّث به نفسي ؟ وكان بعض السلف إذا قرأ سورة لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية ، وهذه الصفة تتولَّد عمّا قبلها من التعظيم فإنّ المعظَّم للكلام الَّذي يتلوه

--> ( 1 ) الواقعة : 79 . ( 2 ) مريم : 12 .