الفيض الكاشاني

204

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

الصالحين وأرباب القلوب ، فإذا اجتمعت هممهم وتجردّت للضّراعة والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى اللَّه أيديهم ، وامتدّت إليه أعناقهم ، وشخصت نحو السماء أبصارهم ، مجتمعين بهمّة واحدة على طلب الرّحمة ، فلا تظنّنّ أنّه يخيّب أملهم ، ويضيّع سعيهم ، ويدّخر عنهم رحمه تعمرهم ، ولذلك قيل : إنّ من أعظم الذّنوب أن يحضر عرفات ويظنّ أنّ اللَّه لم يغفر له وكان اجتماع الهمم والاستظهار بمجاورة الأبدال والأوتاد المجتمعين من أقطار البلاد هو سرّ الحجّ وغاية مقصوده ، ولذا قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « الحجّ عرفة » ( 1 ) فلا طريق إلى استدرار رحمة اللَّه مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد على صعيد واحد » . أقول : وأما الوقوف بالمشعر فاستحضر أنّه قد أقبل عليك مولاك بعد أن كان مدبرا عنك طاردا لك عن بابه ، فأذن لك في دخول حرمه فإنّ المشعر من جملة الحرم وعرفة خارجة عنه فقد أشرفت على أبواب الرحمة وهبّت عليك نسمات الرأفة وكسيت خلع القبول بالإذن في دخول حرم الملك ، وإنّما لم يذكره أبو حامد لأنّه ليس بفريضة عند العامّة حرمهم اللَّه من هذا الركن العظيم . قال : وأما رمى الجمار فاقصد به الانقياد للأمر إظهارا للرقّ والعبوديّة وانتهاضا لمجرّد الامتثال من غير حظَّ للعقل والنفس ثمّ أقصد به التشبّه بإبراهيم عليه السّلام حيث عرض له إبليس عليه اللَّعنة في هذا الموضع ليدخل على حجّه شبهة أو فتنة بمعصية فأمره اللَّه أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأصله ، فإن خطر لك أنّ الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه وأمّا أنا فليس يعرض لي الشيطان فاعلم أنّ هذا الخاطر من الشيطان فإنّه الَّذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي ويخيّل إليك أنّه فعل لا فائدة فيه وأنّه يضاهي اللَّعب فلم تشتغل به فاطرده عن نفسك بالجدّ والتشمّر في الرمي فيه ترغم أنف الشيطان ، واعلم أنّك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان وتقصم به ظهره إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر اللَّه تعظيما له بمجرّد الأمر من غير حظَّ النفس والعقل فيه . وأما ذبح الهدى فاعلم أنّه تقرّب إلى اللَّه بحكم الامتثال ، وأكمل الهدي

--> ( 1 ) رواه أحمد والحاكم والبيهقي كلهم عن عبد الرحمن بن يعمر بسند صحيح كما في الجامع الصغير باب الجيم .