السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

95

مفاتيح الأصول

وانتفاء القرينة الدّالة عليه أو خفائها على السّامع فإنّه يحمله على الحقيقة كما هو الأصل فيقع في الخطاء بخلاف المشترك فإن السّامع مع القرينة يحمل على ما تعينته وبدونها يتوقف في الحمل فلا يقع في الخطاء وإن فاته المطلوب ومنها أن المجاز مخالف للظاهر بخلاف المشترك فإنه لا مخالفة فيه له وإن شاركه في الاحتياج إلى القرينة في الجملة فإن الاحتياج فيه لأجل التعيين وفي المجاز لأجل الدّلالة لا يقال هذا معارض بمثله فإنّ للمجاز فوائد لا توجد في الاشتراك وفي الاشتراك مفاسد لا توجد في المجاز أمّا فوائد المجاز فمنها أنّه قد يكون أبلغ فإن اشتعل الرّأس شيبا أبلغ من شيب ومنها أنه قد يكون أوفق إمّا للطَّبع لثقل في الحقيقة كالخنفقيق الدّاهية أو لعذوبة في المجاز كالروضة في المقبرة وإما للمقام لزيادة بيان كالأسد للشجاع لكونه بمنزلة دعوى الشيء ببينّة وبرهان أو تعظيم كالشمس للشريف أو تحقير كالكلب للخسيس ومنها أنّه يتوصّل به إلى أنواع البديع كالسّجع في نحو حمار ثرتار بخلاف بليد ثرتار والمطابقة كما في قوله كلما لجّ قلبي في هواها لجّت في مقتي ولو قال ازداد هواي فاتت والجناس في مثل سبع سباع ولو قلت سبع شجعان لم يكن جناس وأمّا مفاسد الاشتراك فمنها أنّه يخل بالتفاهم عند خفاء القرينة بخلاف المجاز فإنه مع القرينة يحمل عليه وبدونها يحمل على الحقيقة ومنها أنّه يؤدي إلى مستبعد من ضدّ أو نقيض وذلك إذا كان اللفظ موضوعا للضدّين أو النقيضين كالجون للأبيض والأسود والقرء للطهر والحيض فإنه إذا أطلق وأريد به أحد المعنيين وفهم الآخر بتخيّل قرينة فقد فهم ما هو في غاية البعد من المراد بخلاف المجاز فإنه على تقدير فهم ضدّ المراد منه لا يؤدي إلى مستبعد لأن العلامة شرط فيه ومنها أنّه يحتاج إلى قرينتين بحسب معنييه بخلاف المجاز فإنه يكفي فيه قرينة واحدة لأنا نقول ما ذكرتموه في مقام المعارضة لا يصلح للمعارضة فإن ما ذكر من فوائد المجاز لا تختص بالمجاز بل هي مشتركة بينه وبين المشترك فإنه أيضا قد يكون أبلغ إذا اقتضى المقام الإجمال كقولك اشتر العين دون أن تقول الذهب وقد يكون أوفق كالليث للغضنفر والعناكب وقد يحصل بالمطابقة والمجانسة وغيرهما من المحسّنات وإذا اشتركت فوائد المجاز بينه وبين الاشتراك فلا يصلح ترجيح المجاز بها بل يجب ترجيح الاشتراك لاختصاصه بفوائد زائدة لا توجد في المجاز وأمّا مفاسد الاشتراك فمعارضة بمفاسد المجاز فلا يمكن ترجيح المجاز من هذه الجهة وفي هذه الحجّة نظر لما أشار إليه السّيّد الأستاذ رحمه الله فقال في مقام الجواب عنها وأمّا عن الثالث فبأنه إن كان المقصود رجحان الاشتراك على المجاز بوجدان الفوائد وفقدان المفاسد من حيث إن الأمر الَّذي يكثر فائدته ويقل مفسدته يعم وجوده ويكثر دوره فيغلب على ما ليس كذلك مما يكثر مفسدته ويقلّ فائدته فيتوجه عليه بعد تسليم أن كثرة الفائدة وقلَّة المفسدة مظنة الغلبة في كلام الجميع أو الأكثر أن ذلك إنما ينفع مع اشتباه الغلبة أمّا مع العلم بانتفائها كما في المشترك فلا يجد المظنة كما أن الحكم بحصولها كما في المجاز لا يقدح انتفاء المظنّة إذ لا أثر للمظنة مع انتفاء المئنة ولا لانتفاء المظنة مع تحقق المئنة وإن كان المقصود رجحان الاشتراك بنفس وجدان الفوائد وفقدان المفاسد مع قطع النظر عن اقتضائهما الغلبة عليه بعد تسليم جواز التّعويل على مثل هذا الترجيح إن ذلك إنما يصح لو لم يعارضه غلبة المجاز فإن الظن الحاصل من الأولوية ليس في مرتبة الظن الحاصل من الغلبة وكثرة الوقوع ألا ترى أن من رأي شخصا في موضع يكثر فيه الجاهل ويقل العالم فإنه يظن أنّه جاهل لكثرته وغلبته ولا يظن أنّه عالم لرجحانه وأولويته كذا قيل واعترض عليه بأن الأمر هاهنا بالعكس إذ كثرة الفائدة توجب العلم بالاعتبار لكون الواضع حكيما يمنع منه العدول من الرّاجح إلى المرجوح وأمّا أكثرية الوقوع فلا تفيد إلا الظنّ والفرق بين ما نحن فيه ومثال العالم والجاهل ظاهر فإن الأولوية في العالم أولوية ذاتية والأولوية المقصودة هاهنا أولوية الجعل والصّدور والأصوب أن يقال إن بعد تحقق أكثرية الوقوع يعلم أن الاشتراك ليس بأكثر فائدة من المجاز وإلَّا لكان ذلك هو الأكثر وقوعا وحينئذ فلا اعتبار بما ذكر من الوجوه بل إنّما العبرة بما يقتضيه أكثرية الوقوع انتهى الثالث أن اللفظ قد استعمل في المعنى المحتمل كونه حقيقة ومجازا ولم يقم دليل على المجازية فيجب أن يكون حقيقة لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة وفيه نظر للمنع من دلالة الاستعمال على الحقيقة سلمنا ولكن يعارضه ما سيأتي من الأدلة الدالة على رجحان المجاز على الاشتراك وهي أقوى فيكون أولى بالتّرجيح وللآخرين أيضا وجوه الأول غلبة المجاز على الاشتراك كما تقدم إليه الإشارة الثاني أن الغرض الأصلي والمقصود الأهم من الوضع ليس إلَّا دلالة اللفظ بنفسه على المعنى المراد فإن الدّلالة بواسطة القرينة متحقّقة في المجاز والدلالة لا على وجه الإرادة لا يترتب عليها فائدة يعتد بها وهذا الغرض لا يتأتى مع تعدد الوضع فإن الاشتراك مخلّ بالفهم ويحوج إلى نصب القرينة ولذا ترى أن الأصل في كلّ لغة والأساس الَّذي يبتني عليه الفهم والتفهيم فيها هو الوضع للمعنى الواحد ولا يجوز الخروج عن ذلك إلَّا بدليل الثالث أصالة عدم الوضع للمعنى المشكوك في كونه حقيقة ومجازا ولا يمكن المعارضة بأصالة عدم كون الاستعمال فيه بالقرينة ولا بأصالة عدم كونه بالعلاقة أمّا أوّلا فلأن القرينة في محلّ النزاع لازمة على كلّ حال ولا يمكن