السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

83

مفاتيح الأصول

أو للأعم منه وبثبوت الحقيقة العرفية وترتب أحكامها عليه وهذا هو الغالب في الإطلاقات العرفية وإن أطلقوا لفظا على معنى معتقدين ذلك ولكن نعلم أنهم جهلوا بذلك المعنى وأنهم لو عرفوا لما اعتقدوا ذلك كما إذا أطلقوا لفظ الماء على ماء الخلاف لزعمهم أنّه ماء مطلق وكما إذا أطلقوا لفظ زيد على رجل لزعمهم أنّه الموضوع له فلا إشكال في أنّه لا يجوز الحكم بكون ذلك اللَّفظ موضوعا للمعنى الذي جهلوه أو بالمعنى الَّذي يعمه وأنّه من الحقائق العرفيّة وذلك واضح وقد أشار إلى هذا السيّد الأستاذ رحمه الله فقال واعلم أنّه قد يتوهم أن كلما يصح إطلاقه حقيقة عند أهل العرف ظاهرا فهو حقيقة عرفية واقعا وما لا يصح كذلك فليس بحقيقة عرفية وليس كذلك فإن أهل العرف قد يصحّحون الاستعمال على وجه الحقيقة لظنهم تحقق المسمّى في المستعمل فيه مع انتفائه وقد لا يصحّحون الاستعمال لظنهم انتفائه مع تحققه فلا عبرة إذن في ثبوت الحقيقة العرفية وانتفائها بحكم العرف بالصّحة وعدمها مطلقا بل المعتبر في ذلك حكم العرف مع العلم بحقيقة الحال وبدونه يجب تقدير علم أهل العرف واطلاعهم فإن صحّ الإطلاق عندهم مع ذلك فهو حقيقة عرفية وإلَّا فخطاء أو مجاز عرفي وإن كان الأمر بالعكس من ذلك عندهم نظرا إلى عدم اطلاعهم على حقيقة الأمر والوجه في ذلك ظاهر فإن العرف محكم في المفاهيم والمدلولات دون المصاديق ومن هذا يعلم أنّه لا يشترط في صدق التّوطن عرفا بقاء المتوطن في المكان ستّة أشهر فصاعدا وكذا لا يشترط في صدق اسم المكاري والجمال مثلا تكرار العمل ثلاث مرات أو أكثر كما قيل وإن أهل العرف إذا اطلعوا على قصد المتوطن وإرادته فإنهم يطلقون عليه اسم المتوطن بمجرد انتقاله إلى المكان مصاحبا للنّية وإن لم تمض عليه المدة المشهورة بل وإن فارق المكان من وقته إلَّا إذا نوى الإعراض فإنّه يطلق عليه الاسم معها في العرف فلو لم يفارق بعد وكذا الكلام في ألفاظ الصّنائع والحرف فإنه يطلق في العرف باتخاذها صنعة مع التشاغل في الجملة وإن لم يتكرر العمل إلَّا مع نيّة الإعراض فيزول عنه الاسم وإن كان متشاغلا ولهذا البحث أيضا فروع كثيرة في المسائل الفقهية يقف عليها المتتبع الماهر ويغفل عنها المتكلَّف القاصر واللَّه ولي التوفيق انتهى وإن أطلقوا لفظا على معنى وحصل الشّك في معرفتهم به كما إذا أطلقوا لفظ الماء على ماء الخلاف معتقدين أنّه أحد أفراد الحقيقة أو أطلقوا لفظ زيد مثلا على رجل معيّن وحصل الشك في أنهم عرفوا المعنيين أو جهلوهما وأخطئوا في الإطلاق فهل الأصل في إطلاقهم حينئذ الحقيقة فيلزم الحكم بكون المعنى المستعمل فيه في المثال الأول أحد أفراد الحقيقة وإن لفظ الماء موضوع في العرف لما يعمّ ماء الخلاف ويكون المعنى المستعمل فيه في المثال الثاني هو الموضوع له في العرف أو لا إشكال من أن الشرط في إفادة الإطلاقات عرفا الحقيقة معرفة أهل العرف بالمعنى وهو هنا مشكوك فيه والشّك في الشّرط يوجب الشك في المشروط مضافا إلى أصالتي عدم النقل والاشتراك وغيرهما مما يخالف الأصل في أغلب الصّور كما لا يخفى ومن أصالة عدم خطاء أهل العرف في الإطلاقات وظهور عدمه وإن ذلك لو كان مانعا للزم انسداد باب الحقائق العرفية وفي جميع هذه الوجوه نظر أمّا أصالة عدم الخطاء فلا دليل عليها بحيث يشمل محل البحث وأما ظهور عدمه فلاختصاصه ببعض صور المسألة كما لا يخفى فلا يفيد الكلَّية وعدم القائل بالفصل ممنوع على أنا نقول المفروض صورة الشك في الخطاء فصورة الظنّ بعدمه وهو هذه الصّورة خارجة عن محلّ البحث كما لا يخفى وأما القضيّة الشرطية فللمنع من الملازمة فلأن الغالب معرفة أهل العرف المعنى كما لا يخفى وينبغي التنبيه على أمور الأوّل إذا حصل الظن بعدم خطاء العرف فهل هو كما لو علم بعدم الخطاء أو كما لو حصل الشكّ فيه إشكال ولكن الأوّل في غاية القوة بناء على المختار من أصالة حجية الظنّ في اللَّغات الثّاني إذا ثبت في العرف وضع لفظ لمعنى معيّن مشخص ولم يكن هناك شك في الوضع ولكن حصل الشكّ في مصداقه بمعنى أنّه لم يعلم أن هذا الموجود الخارجي منه أو لا كما إذا شكّ في أن هذا الرجل سارق وأن هذا المائع ماء مطلق وأنّ هذا المذبوح مذكى ونحو ذلك ورأينا حكم أهل العرف بأن الموجود الخارجي المشكوك فيه عندنا من المصداق فلا إشكال في عدم اعتبار حكمهم لأنه حكم في الموضوعات الصّرفة ومرجعه إلى الشهادة فيها ومن ضروريات الدين أن مجرد شهادة العرف لا يصحّ الاعتماد عليه بل يشترط في الشهادة شرعا أمور معلومة فإذا تحققت قبلت وإلَّا فلا وهذا غير ما ذكرناه سابقا وليس من محلّ البحث في شيء فافهم الثّالث إذا خاطب الحكيم أهل العرف باللفظ الذي يعتقدون تحقق مسماه في ضمن ما لا يتحقق فيه في الواقع وجب عليه إمّا بيان حقيقة الحال لهم أو إرادة ما يشمل ما يعتقدونه مع علمه بأن أهل العرف شأنهم ذلك وإلَّا يلزم الإغراء بالجهل القبيح كما يلزم فيما إذا خاطبهم بلفظ موضوع لمعنى عندهم ولآخر عنده ولم يعلموا بأن له معنى عنده ولم يعلمهم بذلك مع علمه بأن اصطلاحهم غير اصطلاحه فحينئذ إذا قال الشارع لزيد آتني بالإنسان وعلم أن زيدا يعتقد الحيوان الفلاني إنسانا ولم يردعه عن الخطاء وجب أن يريد من خطابه ما يشمل ذلك الحيوان وإن لم يكن في الواقع شاملا له فتدبر مفتاح إذا شك في جزئية أمر