السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
73
مفاتيح الأصول
إليهم من وضع الألفاظ وغيره من القواعد المقررة في العلوم العربية كما لا يخفى وإنّما حصلها الحاملون لنقلها من الاستقراء كما تشهد به كلمات جمع كثير من العلماء الأجلاء الرابع فحوى ما دل على حجية الظن المستفاد من خبر نحو الأصمعي والجوهري لأن الظن الحاصل من الاستقراء أقوى منه بمراتب غالبا لا يقال الاستقراء قياس ولا شيء من القياس بحجة في اللغات لعموم الأخبار في المنع عن العمل بالقياس لأنا نقول لا نسلَّم صدق القياس عليه حقيقة فإن القياس إثبات حكم في جزئي باعتبار وجوده في جزئي آخر لمعنى مشترك ويسمّى الأوّل بالفرع والثاني بالأصل والثالث بالعلة الجامعة ولا كذلك الاستقراء كما عرفت سلَّمنا الصغرى ولكن نمنع كلية الكبرى والعمومات الواردة بالنهي عن العمل بالقياس منصرفة إلى القياس في الأحكام الشرعية لا غير كما لا يخفى ولذا صار بعض علمائنا إلى حجية القياس في اللغة سلَّمنا شمولها لمحل البحث لكنها معارضة بالوجوه التي ذكرناها وهي أولى بالترجيح قطعا وينبغي التنبيه على أمور الأوّل اعلم أنّه إذا ثبت غلبة نوع على نوع كغلبة نوع التأسيس على التأكيد ونوع التخصيص على المجاز وغير ذلك فبمجردها لا يمكن ترجيح الصنف أو الفرد من النوع الغالب على الصنف أو الفرد من الغير الغالب لجواز أن يكون صنف أو فرد من النوع الغير الغالب أغلب من صنف أو فرد من النوع الغالب مثلا إذا ورد اضرب زيدا اضرب زيدا لا يجوز دعوى كون الثاني غير الأوّل وتأسيسا تمسكا بغلبة التأسيس على التأكيد لأن التأكيد في نحو هذا المقام أشيع وكذا لا يجوز ترجيح التخصيص على التجوز في الأمر الوارد عن الأئمة بحمله على الاستحباب بناء على أن استعماله في الندب أكثر من التخصيص نعم لو منع من شيوع الاستعمال في الندب اتجه التمسك بالغلبة النوعية في التخصيص والحاصل أن الغلبة أنما يكون حجة حيث لا يعارضها غلبة أخرى وحيث كانت من الأمور الإضافية صح التعارض بين الغلبتين وكان اللازم حينئذ الأخذ بالغلبة التي تورث الظن الأقوى وإذا حصلت غلبة في أفراد جنس أو في أفراد نوع أو في أفراد صنف من غير معارض من جنسها وجب العمل بها وإلحاق المشكوك فيه بالغالب فإن كانت الغلبة جنسية يلحق للفرد المشكوك فيه من ذلك الجنس من أيّ نوع كان بالغالب وإن كانت نوعيّة يلحق الفرد المشكوك فيه من ذلك النوع بالغالب دون غيره وإن كانت صنفيّة يلحق الفرد المشكوك فيه من ذلك الصنف في الغالب لا غيره الثاني اعلم أنّه قد تمسك جملة من الأصوليين في مقام ترجيح أحد الاحتمالين بأمور اعتبارية وهي مما لا يحسن التعويل عليها بل اللازم في مقام الترجيح تتبع موارد الاستعمال واستخراج ما هو الغالب لأن المدار على غلبة الظن وهي إنّما تحصل بما قلناه دون أمثال ما ذكروه وإن توهم أنها مظان الغلبة فلا تغتر الثالث اعلم أنّه إذا ثبت غلبة شيء في زمان الشارع فلا إشكال في لزوم الأخذ بها مثلا إذا ثبت غلبة المجاز على الاشتراك في زمانه أو غلبة التأسيس على التأكيد أو غلبة إرادة تحريم الأكل في قوله تعالى حرّمت عليكم الميتة كان اللازم حمل خطابه على الغالب إلَّا إذا وجد قرينة تمنعه لما ذكرناه من أن الغلبة تورث الظن وهو حجة وأما إذا علم تحقق الغلبة في زماننا وشك في تحققها في زمن الشارع فيشكل حمل الخطاب الشرعي على الغالب في زماننا لأن المعتبر الغلبة الحاصلة في زمانه لا مطلقا وهو واضح ولا أصل هنا يحكم به بثبوت هذه الغلبة في زمانه بل مقتضى أصالة تأخر الحادث الحكم بالعدم لأن الغلبة من الأمور الحادثة المسبوقة بالعدم الأزلي وقد تقرر أنّه إذا شك في تقدم الحادث وتأخره فالأصل تأخره فعلى هذا يرتفع الوثوق من كثير من الأصول التي مهدوها كأصالة حمل تحريم الميتة في قوله تعالى حرمت عليكم الميتة على حرمة الأكل وأصالة حمل الإطلاق على الغالب وأولوية التأسيس على التأكيد وأولوية التخصيص على المجاز والاشتراك والنقل والإضمار لأن غلبة ما جعلوها أصلا إنما يعلم بها في زماننا وأما في زمان الشارع فغير معلوم فلا بد من الحكم بعدمها أخذا باستصحاب عدمها المعلوم قبل زمانه وهو أصالة تأخر الحادث ويمكن الجواب عن هذا أولا بأن غلبة كثير مما جعلوها أصلا معلومة في زمانه أو مظنونة بالاستقراء والتتبع وثانيا بأن قوله حرّمت عليكم الميتة مثلا قد شاع استعماله وتداول إطلاقه قبل زمانه وفي زمانه وشيوع إطلاقه يستلزم شيوع دلالته على شيء من تحريم الاستمتاعات أو الأكل أو الإجمال ولما علمنا أن الشائع في عرفنا هو تحريم الأكل كان اللازم أن يكون في عرفه كذلك لأن الأصل عدم تعدد الغلبة والتمسك بأصالة عدم الغلبة حسن لولا العلم بها في زمانه إجمالا ولكن بعد العلم بها إجمالا لا يبقى لها محل بل يرجع إلى أصالة عدم تعدد الغلبة وتحقيق الكلام أن يقال إذا ثبت الغلبة في زماننا فلا يخلوا إما أن يعلم بثبوتها في زمان الشرع أو لا وعلى الثاني فإما أن يعلم بتحقق غلبة ما في زمانه أو لا فإن كان الأول فالأمر واضح وإن كان الثاني فالأصل أن يكون الغالب الذي علم بغلبته هو هذا الغالب ولذا صح ما جعلوه أصلا باعتبار غلبته في زماننا لأنا نعلم أن بعد شيوع اللغة وانتشاره كما في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما قبله كان الغالب إما التأسيس أو التأكيد أو التساوي وإما التخصيص أو المجاز أو التساوي وإما عدم النقل أو النقل أو التساوي ولكن لم نعلم الغالب بعينه فإذا علمنا أن الغالب في عرفنا ما هو كان اللازم الحكم بالتوافق وإن كان الثالث كان اللازم الأخذ بأصالة تأخر الحادث لعدم العلم بثبوت غلبة ما هناك حتى يطبق مع عرفنا ثم إن كل ذا إذا لم يعلم بغلبة غير