السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

66

مفاتيح الأصول

على أشعار نحو امرئ القيس وأبي تمام وجرير وفرزدق وأهل المعاني على أمور اعتباريّة شاهدوا اعتبارها من الفصحاء والبلغاء وأهل الأصول على غلبة الاستعمال وكثرته والتّجار على المكاتيب المرسلة من الأطراف البعيدة وغير ذلك فقد صار معلوما أنّ الاعتماد على الظنّ فيما ينسدّ فيه طريق العلم من بديهيّات قواعد العقلاء ومقتضيات قواعدهم وسيأتي إن شاء الله لهذا مزيد تحقيق وبالجملة الَّذي يدلّ على حجيّة الظنّ في المسائل الفقهيّة يدلّ على حجيّة الظنّ في المسائل اللَّغويّة كما لا يخفى ولا يقال سلَّمنا حجيّة الظنّ في اللَّغات ولكن لا نسلَّم أصالة حجيّة الظنّ بل يجب الاقتصار على ما قام الدّليل القاطع على حجيّته بالخصوص وليس منه الشّهرة لأنّا نقول هذا المنع ليس في محلَّه بل التّحقيق أصالة حجيّة الظنّ في اللَّغات كما سيأتي تحقيقه في محلَّه إن شاء الله ولا يقال سلَّمنا الأصل المذكور ولكنّه معارض بظهور عدم الخلاف في عدم حجيّة الشّهرة في المسائل اللَّغويّة إذ لم نجد أحدا تمسّك بالشّهرة في شيء منها ولا عارض بها دليلا ظنيّا مع تمسّكهم بأمارات تفيد ظنّا أضعف ممّا تفيده كالظنّ الحاصل من الغلبة ونحوها ولو كان ذلك حجّة لتمسّكوا بها ولعارضوا بها دليلا ظنيّا آخر فالظاهر اتّفاقهم على عدم حجيّتها ولئن تنزّلنا فلا أقلّ من أنّه قول الأكثر وكما يحصل من قول الأكثر في تلك المسائل الظنّ بما هو الواقع فيها كذا يحصل من قولهم بعدم حجيّتها في تلك المسائل الظنّ به ولما لم يمكن العمل بهما معا لأنّ العمل بأحدهما يستلزم عدم العمل بالآخر وإن تخالفا موردا ولم يجز تعيين العمل بأحدهما دون الآخر لأنّه ترجيح من غير مرجّح وجب التوقّف وهو المطلوب وما قلناه نظير ما إذا قال الشّارع اعمل بالظنّ ثمّ ورد حديث صحيح في مسألة وأفاد الظنّ بحكمها وورد حديث صحيح آخر وأفاد الظنّ بعدم حجيّة ذلك الحديث الصحيح الوارد في تلك المسألة فإنّه يعلم حينئذ بأن أحد الظنّين خارج عن إطلاق قوله عليه السلام الموجب للعمل بالظنّ لعدم إمكان العمل بهما ولا يتعين أحدهما للعمل به لما تقدّم فيجب التوقّف في العمل بهما ولذا منع من حجيّة الشّهرة في المسائل الفقهيّة حيث إنّ المشهور بين الفقهاء عدم حجيّة الشّهرة في المسائل الفقهيّة نعم لو كان قول الأكثر بعدم حجيّة قول الأكثر شاملا لهذا القول اتجه الاعتماد على قول الأكثر في نفس المسائل اللَّغوية لأنّه حينئذ لا يكون هذا القول حجّة قطعا إذ من حجيّته يلزم عدم حجيّته وما شأنه ذلك يكون باطلا فإذا بطل هذا بقي قول الأكثر في نفس المسائل سليما عن المعارض وبهذا يتجه الاعتماد على الشّهرة في المسائل الفقهيّة ولكن الشّمول هنا وفي المسائل الفقهيّة غير مسلَّم ولو سلَّم الشّهرة على عدم حجيّة الشّهرة في كلا المقامين سلَّمنا الشّمول لكن نقول غاية ما يلزم منه عدم حجيّة قول الأكثر بعدم حجيّة قول الأكثر في المسائل اللَّغويّة بمعنى عدم جعله بنفسه دليلا على ذلك ولكنّه لا يلزم منه عدم حصول الظنّ بعدم حجيّة قول الأكثر في تلك المسائل فتكون الشّهرة في تلك المسائل ممّا ظنّ بعدم حجيّتها وإن كان من الظنّ الَّذي ظنّ بعدم حجيّته ولا دليل على حجيّة كلّ ظنّ بالواقع والقدر المسلَّم الظنّ الَّذي لا يظنّ بعدم حجيّته وأمّا الَّذي ظنّ بعدم حجيّته سواء كان من ظنّ معتبر أو من ظنّ غير معتبر فلا وما قلناه نظير ما إذا ورد حديث صحيح دالّ على أن كلّ خبر صحيح ليس بحجّة فإنّه حينئذ يحكم بعدم حجيّة هذا الصّحيح إذ من حجيّته يلزم عدم حجيّته ولكن يحكم بأن ما عداه من الأخبار الصّحيحة أيضا ليست بحجّة لا لذلك الصّحيح لأنّ الفرض أنّه ليس بحجّة بل لحصول الظنّ منه بأنّ الأخبار الصّحيحة ليست بحجّة مع عدم الدّليل على حجيّة كلّ خبر صحيح حتّى الَّذي ظنّ عدم حجيّته من ظنّ غير حجّة فعلى هذا لو دلّ القياس المفيد للظنّ الَّذي ليس بحجّة على أنّ الإجماع المنقول مثلا ليس بحجّة حكمنا به لا للقياس لأنّ الفرض أنّه ليس بحجّة بل لعدم الدّليل على حجيّة كلّ ظنّ حتى الَّذي ظنّ بعدم حجيّة من أمارات ظنيّة غير معتبرة لأنا نقول لا نسلَّم ظهور الاتّفاق على عدم حجيّة الشّهرة في المسائل اللَّغويّة وكذا شهرته وعدم تمسّك القوم بالشّهرة ليس دليلا على قولهم بعدم حجيّتها إذ ليس دأبهم استقصاء الأدلَّة في المسائل ولو سلَّم فلعلّ المانع من التمسّك بها شيء لا نعلمه غاية ما في الباب أنّه يحصل من ذلك ظهور في قولهم بعدم حجيّتها لكن هذا الظَّهور لا يقاوم الظنّ الحاصل من الشّهرة المحقّقة الحاصلة من تصريح الأكثر في المسألة بلا ريب وبالجملة دعوى الاتّفاق أو الشّهرة على عدم حجيّة الشّهرة في المسائل اللَّغوية ممنوعة ولو سلَّمت الشّهرة فنقول إنّ هذه الشّهرة إنّما تعارض الشّهرة في نفس المسائل إذا كان الظنّ الحاصل منها مكافئا وموازنا للظنّ الحاصل من الشّهرة في نفس المسائل كأن يكون عدد القائلين في نفس المسألة الَّذي حصل به الشّهرة كعدد القائلين بعدم حجيّة الشّهرة وأمّا إذا كان عدد القائلين في نفس المسألة أكثر من عدد القائلين بعدم حجيّة الشّهرة فينبغي تقديم الشّهرة في المسألة لدوران الأمر حينئذ بين الظنّ الضّعيف وهو الحاصل من شهرة القول بعدم حجيّة الشّهرة والقوي وو هو الحاصل من الشهرة في نفس المسألة إذ لا ريب في أنّ زيادة القائل ممّا يقوي الظنّ ولا إشكال في لزوم ترجيح الظنّ الأقوى وإذا انعكس انعكس الحكم فتأمل وبالجملة الأصل اعتبار الشّهرة في نفس المسائل اللَّغويّة حتّى يتحقّق ما يمنعه مفتاح تمسّك بعض بقول أبي عبيدة في قوله صلى الله عليه و