السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
502
مفاتيح الأصول
السّيد الأستاذ فإنه قال بعد ما نقلناه عنه سابقا ولأن العلماء قديما وحديثا يطالبون بأدلَّة المشهورات أصولا وفروعا ويتوقفون عن الحكم بالمشهور عند عدم الظفر بالدليل ولو كانت الشهرة حجة لسقط الطلب وامتنع التوقف لمقارنة الدّليل حينئذ للمدلول والمعلوم من حال الفقهاء والأصوليين في جميع الأعصار خلاف ذلك وربّما يتفق لبعضهم الاستدلال بالمشهور والأشهر مع وجود الحجة من غيره كما اتفق للعلامة في مسألة تجديد الرّضاع بالعدد مع التصريح بخلافه في موضع آخر وهو مبني على التسامح بجعل المؤيد دليلا ومثله كثير في كلام الفقهاء ومثله احتجاجهم في بعض المواضع بمجموع أمور لا يبلغ كلّ منها حدّ الحجيّة ويشترط في هذا النّوع إفادة المجموع للقطع إلا إذا كان في البعض إشعار من جهة اللَّفظ بناء على حجيّة الإشعار إذا اعتضد بغيره وإن لم يبلغ حد القطع انتهى الخامس أنّهم منعوا من كون الشّهرة إجماعا ولو كانت حجّة لم يكن لهذا المنع فائدة السّادس أن جماعة من المحققين العدول أخبروا بأن المشهور عدم حجيّة الشهرة ومن البيّن أنهم لا يقولون إلا عن ثبت وتحقيق لأنا نقول الوجوه المزبورة لا تنهض لإثبات ذلك أما الأول فللمنع من الملازمة المزبورة خصوصا مع ملاحظة عادتهم من عدم استقصائهم جميع أدلة المسألة على أنا نقول لعلَّهم يكتفون بالإشارة إليها عند ذكر الأقوال في المسألة وهي ممّا جرت به عادتهم واستمرت عليه طريقتهم ومن تتبع كتبهم ورأى أن حرصهم في جمع الأقوال وأربابها والإشارة إلى ما هو المشهور في الغاية القصوى والمرتبة العليا ولو جعل هذا من الشّواهد على أن الشهرة عندهم حجة لم ينكر وممّا يؤيّد هذا أمور الأول عدم اجترائهم على مخالفة الشهرة إذا لم يظهر لها مخالف أو ظهر وكان نادرا في الغاية مطلقا ولو مع وجود الخبر الدّال على خلافها الثاني اعتذار الشّهيد فيما حكي عنه عن الجمع الَّذين يدعون الإجماع في المسائل الشّرعية بأن المراد من الإجماع الشّهرة أو عدم ظهور الخلاف إذ من الظاهر أن أولئك إنما يدعون الإجماع في مقام الاستدلال به الثالث أنه لو كان المشهور عدم حجّية الشّهرة لما خفي عن الشهيد الذي تتبعه في كلمات المتقدمين والمتأخرين ومعرفته بمذاهبهم لا ينكر ولو كان عالما بذلك لنبه عليه جدّا الرابع استدلال العلَّامة في مواضع من المختلف والمحقّق الثاني بالشّهرة وحمله على أنّه من باب التأييد خلاف الأصل ويأباه السّياق كما لا يخفى وأما الثاني فللمنع من الملازمة أيضا إذ لم يقم دليل على التزامهم بالتعرض لجميع ما هو حجّة لا من تصريحهم ولا من تلويحهم ومع هذا فإنا نرى أنهم لم يتعرّضوا لكثير من الأمور المعتبرة المحتاج إليها وأما الثالث فللمنع من أنّ أكثر المتقدّمين ينفون حجيّة الشهرة ودعواهم أن الظن ليس بحجة شرعا إنّما هي على الظاهر في الظنّ الَّذي لم يثبت حجيّته من الشرع لا مطلقا ولعلّ الشهرة عندهم مما قام الدّليل الشرعي على اعتبارها كظاهر الكتاب وعدم ظهوره لنا لا يستلزم عدمه بالنّسبة إليهم ولم نجد في كلامهم التّصريح بنفي حجيتها بالخصوص ولا الطعن على القائل بها وربما كان في هذا دلالة على قولهم بحجيّتها واحتمال كون عدم التّصريح بذلك لعدم وجود القائل بالحجيّة في زمانهم مستبعد وكذا نمنع من الشّهرة المتأخرة في ذلك ومصير أولئك الفحول لا يقتضي الشّهرة ومع هذا فعدم اجترائهم على مخالفة الشهرة العظيمة ودعوى بعضهم أن مخالفة الأصحاب مشكل يدلّ على أنّ الشّهرة عندهم ممّا يعتنى بشأنها ويلتفت إليها ولو سلَّمنا مصير العلماء الَّذين أشير إليهم من المتقدّمين والمتأخّرين إلى عدم حجيّة الشّهرة فنقول ذلك لا يقتضي صحّة دعوى أن أكثر الإمامية على عدم حجيّة الشّهرة لأن هؤلاء بالنّسبة إلى الإماميّة شرذمة قليلون فإن قلت كيف يمكن دعوى الشّهرة في المسألة الفقهيّة بمجرّد مصير أولئك إلى قول إذا لم يظهر مخالفة جمع نحوهم لهم ولم يمكن في هذه المسألة تلك الدعوى مع عدم مخالفة جمع نحوهم لهم قلت نحن لا ندعي الشّهرة في المسألة الفقهية بمجرّد ذلك بل بذلك مع ضمّ مقدّمة أخرى هي ظهور موافقة الباقين الَّذين لم نطلع على كتبهم وفتاويهم لهم باعتبار عدم نقلهم مخالفة الباقين إذ عادتهم تقضي بأنه لو كان الباقون مخالفين لهم لنبّهوا عليه ومن الظاهر أنّ هذه المقدمة هنا غير متحققة لفقد دليلها إذ من المعلوم أن أكثرهم لم يتكلَّموا في مسألة الشّهرة فلا داعي إلى نقل الخلاف لو كان فتأمل وأمّا الرابع فللمنع من المطالبة عند علمهم بتحقق الشّهرة وعلمنا بها لا يستلزم علمهم بها سلَّمنا لكن لعل ذلك فيما لم يجز التّمسك فيه بالشهرة لوجود الأقوى منها ومن يجعل الشهرة حجة لا يجعلها دليلا قطعيا فيصحّ وجود معارض أقوى منها ومع هذا فدعوى أنّ جميعهم أو أكثرهم يطالبون بأدلَّة المشهورات لا يخلو عن إشكال وأمّا الخامس فللمنع من عدم الفائدة في منع كون الشهرة إجماعا على تقدير حجيتها وهو واضح وأمّا السّادس فلأن الظاهر أن إخبار الجماعة مستند إلى الوجوه المزبورة لا إلى تنصيص المعظم بعدم حجية الشهرة فإن ذلك مستبعد في الغاية وقد عرفت بطلان تلك الوجوه ومع هذا ففي إبطال حجيّة الشهرة المحققة بالشّهرة المنقولة إشكال عظيم ثم لو سلَّم مصير المعظم إلى عدم حجيّة الشهرة في المسائل الشرعيّة فنقول ذلك لا يقدح في حجيّة هذه الشهرة لما أشار إليه بعض فضلاء العصر فقال في جملة كلام له ثمّ إن هاهنا كلاما وهو أن المشهور عدم حجيّة الشهرة فالقول بحجية الشهرة مستلزم للقول بعدم حجيّتها وما يستلزم وجوده