السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

496

مفاتيح الأصول

وفي بعضها لا بدّ لأرضك من حجة لك على خلقك يهديهم إلى دينك ويعلَّمهم علمك لئلا تبطل حجتك ولا يضلّ تبع أوليائك بعد إذ هديتهم به إمّا ظاهر ليس بالمطاع أو مكتتم أو مترقب إن غاب عن النّاس شخصه في حال هدايتهم فإن علمه وآدابه في قلوب المؤمنين مثبتة فيهم بها عاملون وفي تفسير قوله تعالى إنما أنت منذر ولكلّ قوم هاد في عدة روايات أن المنذر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وفي كل زمان إمام منّا يهديهم إلى ما جاء به النّبي صلى الله عليه وآله وفي بعضها واللَّه ما ذهبت منّا وما زالت فينا إلى السّاعة وعن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال ولم تخل الأرض منذ خلق اللَّه تعالى من حجة له فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور ولم تخل إلى أن تقوم السّاعة ولولا ذلك لم يعبد اللَّه قيل كيف ينتفع النّاس بالغائب المستور قال كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السّحاب وعن الحجة القائم عليه السلام وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأنظار السحاب وإني لأمان أهل الأرض كما أن النجوم أمان أهل السّماء والأخبار في هذا المعنى أكثر من أن تحصى ومقتضاها تحقق الردّ عن الباطل والهداية إلى الحق من الإمام في زمان الغيبة والمراد حصولها بالأسباب الخفية كما يشعر به حديث السّحاب دون الظَّاهرة فإنها منتفية بالضرورة ولا ينافي ذلك تضمّن بعضها الإعلان بالحق فإنه من باب الإسناد إلى السّبب والاحتجاج بها مبني على أن حصول الرّدّ والإرشاد قبل الاتفاق وإلا لكانت خلاف المطلوب وكأن الأكثر حملوها على بيان الألطاف التي من أجلها وجب نصب الإمام وإن تخلفت عنه في زمن الغيبة لوجود المانع وصراحة بعضها في التّحقق مع وضوح الدّلالة في الباقي يأبى ذلك الثاني دلالة التقرير والإمساك عن النكير على إصابة المجمعين فإن تقرير المعصوم عليه السلام حجة في فعل الواحد فكيف بالجمع الكثير والجم الغفير ولا يمنع منه الغيبة مع العلم بالحال والتمكن من الردّ فإنه وإن غاب عنا إلا أنه بين أظهرنا نراه ويرانا ونلقاه ويلقانا وإن كنا لا نعرفه بعينه فإنه يعرفنا ويرعانا ويطلع على أحوالنا ويعرض عليه أعمالنا ولا يلزم من ذلك وجوب الإنكار مع الاختلاف لوجوده من المحق ولا وجوبه في بيان العصاة لجواز الاكتفاء بوضوح الحق ولا وجوب الإنكار على المستتر بالمعصية حال الظهور لأنه إنما يلزم لو انحصر الوجه في السّبب الخفي كحديث عرض العمل وهذا الوجه قد اعتمده بعض المتأخرين ويحتمله كلام أبي الصّلاح وهو مبني على وجوب التنبيه على الخطاء مطلقا ومع العلم دون الظن ولو خصّ بالإمام لما يلزمه من وجوب الهداية عاد إلى قاعدة اللَّطف ولا يشترط في هذا المسلك بوجهيه وجود المجهول النسب لأن المفروض خروج الإمام فلو انحصر غيره في المعروفين كان حجّة ولا يمنع منه وجود الخلاف المتقدم وفي المقارن الشاذ وجهان وهل يشترط انتفاء الحجّة على خلاف ما أجمعوا عليه قيل نعم ويحتمل العدم إذ لا جدوى لها مع فرض اتفاقهم على خلافها المسلك الثاني كشف الاتفاق عن وجود المستند القاطع للعذر ويدل عليه العقل والنقل أما العقل فلأن فتوى الواحد من علمائنا الثقات يفيد الظن بوقوفه على دليل الحكم فإذا وافقه فتوى مثله أو من هو أعلم منه وأوثق قوي الظن بذلك قطعا وكلَّما انضم إليه مثله تقوى وتضاعف حتى يحصل اليقين باتفاق الجميع كالأخبار المتواترة فإن أصلها الآحاد الَّتي لا تفيد علما بالانفراد وإن حصل لها ذلك بواسطة التعاضد والاجتماع وهذا المسلك لجماعة من محققي المتأخرين وطريقة الحدس الصّائب والذّهن الثاقب وهو قوي متين وليس التّعويل فيه على مجرد اجتماع الآراء كما هو مذهب أهل الخلاف بل لكشف اتفاق أهل الحق عن إصابة المدرك والوقوف على الحجة الواصلة إليهم من الحجج ممن لا يجوز عليهم الخطاء ولا ينتقض بالمشهور لأن الشهرة من حيث هي لا تفيد إلا الظنّ فإن بلغت حد القطع كانت إجماعا وخرجت عن مسمّى الشهرة عرفا ولا فرق في ذلك بين فتوى الأقدمين من أصحاب الأئمة عليهم السلام كزرارة ومحمّد بن مسلم ويزيد بن معاوية والفضيل بن يسار والحلبي وأضرابهم من الفقهاء المتمكنين من سماع الأحكام من المعصومين وغيرهم من فقهاء الغيبة الَّذين يتبعون الآثار الباقية من العترة الهادية ولا في هؤلاء بين القدماء المتمكنين من كتب أصحاب الأئمة عليهم السلام وأصولهم كالصدوقين والقديمين والشيخين والسّيّد المرتضى وأمثالهم ومن تأخر عنهم ممّن لم يتمكن من جميع ذلك كلها أو أكثره كالفاضلين والشهيدين وسائر المتأخرين فإن المنشأ في الجميع واحد وهو اجتماع الظنون البالغة إلى حدّ اليقين وإن اختلف بالقلَّة والكثرة والقوة والضعف فإن العلم قد يحصل بالعدد اليسير من أصحاب الأئمّة عليهم السلام ويتوقف على اتفاق الكثير من غيرهم على اختلافه باختلاف طبقاتهم في الدّين والثقة واختلاف مراتبهم في الفقه والضّبط وأيضا فإن حصوله في الطبقة الأولى طريق إلى حصوله فيما يليها وهكذا إلى أن يصل إلينا بتلقي المتأخر عن المتقدم ورسوله من كل طبقة إلى ما بعدها ويأخذه اللَّاحق عن السّابق يدا بيد وخلفا عن سلف مفتاح إذا قلنا بحجيّة الإجماع المنقول فهل هو حجّة مطلقا وإن علم باختيار النّاقل خلاف ما ادعى عليه الإجماع أو هو حجّة إذا لم يختر النافل له خلاف ذلك فيه إشكال والتحقيق أن يقال إن نقل الإجماع إما أن لا يسبقه مخالفة ولا يتعقبه أو يسبقه أو يتعقبه أو لا يعلم بأحد الأمرين مع العلم بأصل المخالفة فهنا صور أربع الأولى أن لا يسبقه ولا يتعقبه ذلك كما إذا ادعى الإجماع على وجوب أمر وبقي على دعواه وهنا لا إشكال في حجيّته على القول