السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

490

مفاتيح الأصول

العلم فيتوقف العمل بما لا يفيده على قيام الدّليل القطعي عليه ولا حاجة بنا الآن إلى تحمّل مشقة البحث عن قيامه حينئذ على العمل بخبر الواحد وعدمه انتهى الثّاني قال جدي رحمه الله في جملة كلام له وبالجملة الأصل عدم حجيّة الظن خرج من جميع ذلك ظن المجتهد بالإجماع وقضاء الضرورة إذ المسلمون أجمعوا على أن من استفرغ وسعه في درك الحكم الشرعي وراعى عند ذلك جميع ما له دخل في استحكام المدرك وتشييده وتسديده وحصل ما هو أحرى يكون ذلك حجّة عليه والضّرورة قاضية بأنه لو كان الظنّ حجّة فهذا حجّة وكذا لو كان لا بدّ من العمل بالظن جاز التّعويل على ذلك وأيضا بقاء التكاليف إلى يوم القيامة يقيني وسدّ باب العلم أيضا معلوم كما عرفت ومن استفرغ وسعه في جميع ما له دخل في الوثوق والمتانة وحصل ما هو أقرب لا يكلَّفه اللَّه تعالى أزيد من ذلك يقينا لقوله تعالى لا يكلَّف اللَّه نفسا إلا وسعها وقوله تعالى ما جعل عليكم في الدّين من حرج وما ورد أنه لا يكلف ما لا يطاق ولعلّ القطع بحجّية مثل ما نحن فيه يظهر من تتبع الأخبار والأحكام أيضا وأيضا العقل حاكم بحجيّته حينئذ قطعا وأيضا جميع العلوم والصّنائع المحتاج إليها في انتظام المعاد والمعاش يكون الحال فيها كما ذكر بلا شبهة والعلَّة الَّتي فيها جارية فيما نحن فيه أيضا قطعا فيأخذ قياسا هكذا هذا ما أدّى إليه اجتهادي واستفراغ وسعي وكلَّما أدّى إليه اجتهادي واستفراغ وسعي فهو حكم اللَّه تعالى يقينا في حقي فالصّغرى يقينيّة وكذا الكبرى فالنّتيجة يقينيّة بلا شبهة وبالجملة خروج ظن المجتهد ممّا ذكر قطعي بلا تأمّل وأمّا كلّ ظن فلا يكون قطعي على خروجه بل ولا ظنّي أيضا مع أنك قد عرفت حال الظَّن وعدم نفعه أصلا وكونه محتاجا إلى دليل وأنه لا يكون حجة حتى ينتهي إلى القطع لاستحالة الدّور أو التسلسل مع أنّ من لم يراع الشّرائط ولم يستفرغ وسعه حينما حصل له ظن يحتمل أن يكون بعد ما راعى واستفرغ يزول ذلك الظن عنه ويتبدّل بخلافه ويظهر عنده أن حكم اللَّه تعالى خلاف ذلك بل ربّما يحصل له القطع بأنه ليس حكم اللَّه تعالى فكيف يكون ما حصل له بدارا حجة له مع تمكنه من معرفة كونه حكم اللَّه تعالى أو عدم كونه حكم اللَّه أو أن الظن أنّه ليس حكم اللَّه بل الأدلَّة تقتضي عدم كونه حجّة كما أن الحال في سائر العلوم والصّنائع المحتاج إليها كذلك لأنّ ما دلّ على عدم الحجّية في العلوم والصّنائع بل والمنع عن العمل به شامل لما نحن فيه بل ما نحن فيه كذلك بطريق أولى كما لا يخفى وظهر وجهه أيضا وأيضا لو تم ما ذكر لزم حجيّة ظنّ كلّ عامي جاهل أو امرأة أو صبيّ لاشتراك الدّليل والمانع والظاهر أنه لا يقول بحجيّة ظنون هؤلاء أحد وأيضا قد عرفت جواز التقليد وصحّته عموما خرج المجتهد بالإجماع والأدلَّة المذكورة وأنّ ظنّه أقوى في نظره من ظن تقليد غيره بخلاف كلّ ظان لأن الأمر فيه بالعكس إذ لا شك في أن الظَّن الحاصل من تقليد العارف الماهر المراعي جميع ما له دخل في المتانة والمستفرغ وسعه في ذلك أقوى من ظن من لم يكن كذلك ولم يراع مطلقا كما هو الحال في العلوم والصّنائع لكن درك ما ذكرناه موقوف على الإنصاف والتخلية الكاملين وبالجملة هؤلاء يراعون في كلّ علم بل وفي كل أمر من الأمور أن المرجع قول المجتهد في ذلك العلم وذلك الأمر والتقليد له لا أنّ كلّ ظن حصل يكون حجّة سوى الفقه مع أنّ الخطر فيه أعظم بمراتب والاختلالات فيه أكثر بمراتب شتى هذا مع أنّه ورد النّهي عن العمل بما خالف القرآن وما وافق العامة وما حكامهم وقضاتهم إليه أميل وما خالف السّنّة والمشتهر بين الأصحاب وما رواه غير الأعدل والأفقه والأورع إلى غير ذلك وكذا ورد الأمر بمعرفة العام والخاص والمحكم والمتشابه والنّاسخ والمنسوخ وورد عليكم بالدّرايات دون الرّوايات إلى غير ذلك مع أن أكثر أحكامنا حصل من الجمع بين الأخبار فلا بد من معرفة العذر في الجمع وأنحاء الجمع وأيضا تلك الأنحاء مبنية على الظَّنون فلا بدّ من معرفة ما هو الحجّة وما ليس بحجة إلى غير ذلك ممّا ستعرف ولأن الظَّن لو كان حجة مطلقا لزم أن يكون ظنّ النّساء والأطفال والجهال حجة وهذا يدلّ على أنّ الظن من حيث إنه ظن ليس بحجّة وممّا ذكر ظهر أن كلّ ظن له مدخليّة في فهم الآية والأخبار يكون حجّة وأن الحجة منه هو ظن المجتهد خاصّة انتهى وممّا ذكر يظهر أن الأصل في ظن غير المجتهد عدم الحجّية عالما كان أو عاميا رجلا كان أو غيره والحجّة فيه وجوه منها أصالة عدم حجيّة الظن المستندة إلى العقل والنقل من العمومات الواردة في الكتاب والسّنة المانعة من العمل بذلك مطلقا خرج ظن المجتهد بالدّليل ولا دليل على خروج ظن غيره فيبقى مندرجا تحت الأصل إلا أن يقال العمومات المذكورة غايتها الظن ولا نسلَّم حجيّته بالنّسبة إلى المفروض بل لو كان حجة لكانت سائر ظنونه أيضا حجة لعدم الفارق فتأمل إلَّا أن يدعى أن بملاحظتها وملاحظة كلمات المحققين من علماء الإسلام يحصل العلم القطعي بأن الأصل الشّرعي أيضا عدم حجية الظن لا يقال الدّليل الأوّل الَّذي استدلّ به على أصالة حجيّة الظن بالنسبة إلى المجتهد يقتضي ذلك بالنّسبة إلى غيره من سائر المكلَّفين لاشتراكهم معه في انسداد باب العلم بأكثر الأحكام الشّرعية الفرعيّة لأنا نقول هذا يظهر أمّا أوّلا فلأنّ الطَّائفتين وإن اشتركتا فيما ذكر ولكنّ المجتهد باعتبار فحصه واستفراغ وسعه في كلّ واقعة يحصل له العلم أو الظن بأنّه لا يتمكن من العلم في تلك الواقعة ولا كذلك غيره لعدم فحصه فهو ممّن لم يعلم بانسداد باب العلم له في كلّ واقعة وإن علم إجمالا بالانسداد له في أكثر الوقائع مع أن هذا العلم الإجمالي لم يحصل لأكثر من لم يبلغ درجة الاجتهاد ولا كذلك المجتهد كما لا يخفى وهذا المقدار من الفرق يكفي هنا لأن مبنى الدّليل على انسداد باب العلم