السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
487
مفاتيح الأصول
بعض الجزئيات منها ليس من باب التخصيص والخروج الواقعي بل من باب اختلاف الموضوع وتغييره باعتبار وجود الشّرط وعدمه فلا يلزم هنا الأمر المحال وهو تخصيص الدّليل العقلي وذلك واضح في الغاية فإذا تقرّر هذا فنقول إن الكلَّية المستفادة من هذه الحجّة والحجة السّابقة من قبيل القسم الثاني بالضرورة يعني أن كلية لزوم العمل بالظن ولزوم دفع الضّرر المظنون مشروطة بعدم منع الشّرع منه فإذا منع منه الشرع لم يثبت له الكلية كما في الظنون التي أورد بها النقض فعدم الحكم بحجيتها ليس فيه تخصيص الدّليل بوجه من الوجوه ومن الظاهر أن الشرع إذا منع من العمل بالضّرر المظنون وأوجب ارتكابه يحصل العلم القطعي بوجود منفعة تكون أقوى وأعظم من ذلك الضّرر المظنون والعقل يجوز بل يوجب ارتكاب الضّرر المعلوم المحقق الاستدراك منفعة عظيمة يكون ضرر فوتها أعظم من ذلك الضّرر ولذلك يجوز قطع الإصبع واليد والرّجل وقلع السّن لمصلحة بقاء الحياة أو دفع الوجع الذي لا يتحمل فإذا كان الضرر المعلوم بهذه المثابة كان المظنون أولى بذلك وبالجملة دفع آثار المقتضيات بالموانع العارضة من البديهيّات عند العقليات نعم إذا لم يظهر المانع المعارض يجب العمل بالمقتضي فإذا ظن بضرر وجب دفعه إلا إذا منع الشرع منه فصحّ الحكم بأصالة حجية الظن إلا الظنون التي منع منها الشرع فتأمل الثاني ما ذكره جمال الدين الخوانساري فإنه قال في مقام الاعتراض على ما أشار إليه بقوله وقد استدل أيضا على وجوب العمل بخبر الواحد بأنه إذا ورد أمر بشيء كغسل الجمعة مثلا إلى آخره ما لفظه وفيه أن الخبر لا يدل إلا على وقوع التّكليف المطلق وصدوره من الشّارع ومجرّد ذلك لا يستلزم العقاب على الترك وإلا لوجب ترتبه على الترك وإن لم يسمع تاركه التّكليف فلا بد من أمر آخر ينضم إليه مثل العلم بذلك التّكليف والقدر المشترك بين العلم والظن مثلا ولكن لا ريب في استلزام الأوّل لذلك وأما الثّاني فلا بد للحكم باستلزامه له من دليل قاطع وليس والحاصل أنه لا يحصل من خبر الواحد إلا الظن بوقوع التكليف ووقوع التكليف لا يستلزم الوجوب على المكلَّف بل لا بد من شيء آخر فلعلَّه هو العلم به ولا يكفي الظن به والملزوم لترتب العقاب مطلقا على الترك هو الوجوب لا وقوع التكليف فلا يتم الاستدلال لا يقال فعلى ما ذكرت يبطل ما قالوا من دلالة الأمر على الوجوب لأنا نقول دلالة الأمر على الوجوب دلالة لفظية بمعنى أن مقتضى العبارة هو الوجوب ولا ينافي ذلك عدم ثبوت الوجوب في الواقع ما لم يثبت على المكلَّف ذلك الخطاب لا يقال الأمر بشيء هو الحكم بوجوبه والحكم بوجوب شيء مطلقا بمنزلة الحكم بترتب العقاب على تركه مطلقا والحكم بذلك إذا كان الحاكم صادقا يستلزم ترتب العقاب على تركه مطلقا فقد حصل من الخبر الظن بترتب العقاب على تركه مطلقا سواء كان التارك عالما أو ظانا أو غيرهما غاية الأمر أن يخرج غير العالم والظانّ بدليل من خارج وبقيا تحت العموم لأنا نقول الأمر بشيء هو الحكم بوجوبه بمعنى الخطاب المتعلَّق بوجوبه لا الحكم بمعنى الإذعان والإخبار وهو بمنزلة الحكم بترتب العقاب بذلك المعنى أيضا والحكم بترتب العقاب بذلك المعنى لا يستلزم ترتبه ما لم يثبت ذلك الخطاب والثّبوت لعلة لا يكون إلا بالعلم ولا يكفي الظن فإن قلت في الأخبار الَّتي وقعت بلفظ الخبر مثل غسل يوم الجمعة واجب مثلا فإن حكم الشارع الصّادق فيها بالوجوب المطلق يستلزم الوجوب المطلق وهو مستلزم لترتب العقاب مطلقا وبه يتم المطلوب قلت الظاهر من تلك الأخبار أيضا هو الأمر والتكليف لا الإخبار عن تحقق الوجوب في الواقع ولو سلَّم أنه إخبار فهو إخبار عن الحكم فيه بالوجوب على المكلَّف في نفس الأمر كيف ولو حمل عليه يلزم التّخصيص بمن علم الوجوب أو ظنه ولا يخفى ما فيه من التّعسف فتأمل انتهى وأشير إلى ما ذكره من أن ضرر العقاب لا يتحقق إلا بعد العلم بالتكليف في جملة من الكتب ففي الذّريعة ويقال لهم فيما تعلَّقوا به تاسعا لا يجوز العمل على خبر الواحد في الأحكام الشرعية للتحرز من المضار كما وجب مثل ذلك في المضار العقليّة لأن المضار في الدّين يجب على اللَّه تعالى مع التّكليف لنا أن ينبّهنا ويدلنا عليها بالأدلَّة القاطعة فإذا فقدنا ذلك علمنا أنّه لا مضرّة دينية فنحن نأمن أن يكون فيما أخبر به الواحد مضرّة دينية بهذا الوجه وليس كذلك المخبر عن سبع في الطَّريق لأنّنا لا نأمن أن يكون صادقا وإن لم يجب قيام دلالة على كون السّبع فيه فيجب علينا التّحرز من المضرّة بالعدول عن سلوك الطَّريق وفي العدّة أن الَّذي ذكروه إنما يسوغ في ما طريقه المنافع والمضار الدنيوية فأمّا ما يتعلق بالمصالح الدّينيّة فلا يجوز أن يسلك فيها إلا طريق العلم ولهذا أوجبنا بعثة الأنبياء عليهم السلام وإظهار الإعلام على أيديهم وفي الغنية وقولهم إذا وجب إلى آخره غير معتمد لأن مضارّ الدّين يجب في حكمة اللَّه تعالى مع التّكليف لنا أن يعلَّمنا بها ويدلَّنا على الفعل الَّذي يستحقّ فإذا فقدنا ذلك علمنا انتفاء المضرّة وليس كذلك من أخبرنا عن سبع في الطَّريق لأنه لا يجب نصب الدّلالة على أن في الطَّريق شيئا فيأمن بفقدها المضرّة في سلوكه وفي المعارج الجواب عن حجة بن شريح لا نسلَّم أن مخالفة الخبر مظنة للضرر وهذا لأن علمنا بوجوب نصب الدّلالة من الشارع على ما يتوجه التّكليف به يؤمننا الضرر عند ظن صدق المخبر وفيه أيضا في بحث الاستقراء فإن قيل مع الظن يرجح في ذهن المجتهد إرادة الشارع بتعميم الحكم فيصير المخالفة مظنة الضّرر قلنا غلبة الظن المذكور معارض بغلبة الظنّ أن شرعية الحكم يستدعي الدّلالة ومع