السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

486

مفاتيح الأصول

النبوة من دون المعجزة لعين ما ذكروه وفيه أيضا في بحث القياس لا نسلَّم وجوب العمل بالظن إذ لو وجب ذلك لوجب العمل بقول المدّعي بمجرّده إذا غلب على ظن الحاكم صدقه حتى يعمل بقول مدعي النّبوّة من دون المعجزة وفي الغنية ويلزم على ما ذكروه وجوب العمل على قول مدّعي الرّسالة لأنّ فيه تحرز أوليس هذا قول أحد وفي النّهاية في بحث القياس بعد ما حكينا عنه سابقا الثاني سلَّمنا حصول الظن وما ذكرتم من ترجيح الخالي عن الضّرر على المشتمل عليه منقوض بعدم وجوب قبول الشاهد الواحد مع ظن صدقه وعدم قبول الشّاهدين والثلاثة في الزنا وبما إذا ظهرت المصلحة لا يشهد باعتبارها حكم شرعي وبما إذا ادعى المظنون صدقه النّبوة وبما إذا غلب على ظن الدهري والكافر الَّذي قبح هذه الشّرائع فإنه لا يجوز العمل بالظَّن في شيء من ذلك وإن كانت راجحة لا يقال المظنّة إنما تفيد ظن الضّرر لو انتفي الدّليل القاطع على فسادها وفي هذه الصّور وجد القاطع على فسادها لأنا نقول القياس إنما يفيد ظنّ الضرر إن انتفي دليل فساده فيصير نفي دليل الفساد جزءا من مقتضى ظن الضّرر فعليكم بيان النفي حتى يمكن ادعاء ثبوت ظن الضرر انتهى وقال فيه أيضا وأجيب عن الثاني بأن الدليل الشّرعي لمّا قام على عدم الالتفات إلى تلك المظان لم يبق الظنّ ولا يجوز أن يكون عدم الدّليل المبطل جزءا من المقتضي وليس كلما يمنع وجوده من عمل المقتضي كان عدمه جزءا منه فإن مانع الثقيل من النّزول لا يصير عدمه جزءا من علَّة النزول لاستحالة كون العدم جزءا من علَّة الوجود وفيه نظر فإن الظن قائم بالوجدان الَّذي قام الدّليل الشّرعي عليه عدم الالتفات إليه أمّا على عدم الظن فلا دلالة عليه ولا يلزم من الدّليل على المنع من العمل بهذا الظن عدم الظن في نفسه والعدم جزء من العلَّة لتوقف وجود المعلول عليه انتهى ومنها لزوم العمل بسائر الظنون المنهي عنه كالظن الحاصل من القياس والرّمل ونحوهما ومنها لزوم العمل بالظنّ الحاصل قبل الفحص بالنّسبة إلى المجتهد ومنها لزوم العمل بالظَّن بالنّسبة إلى العامي من الرّجال والنّساء ومنها لزوم العمل بالظنون المنهي عنها في الموضوعات الصرفة وإليه أشار في المعارج في بحث القياس فقال لا نسلَّم وجوب العمل بالظن إذ لو وجب ذلك لوجب العمل بقول الشّاهد الواحد لا بل كان يجب العمل بقول المدعي بمجرده إذا غلب على ظن الحاكم صدقه حتّى يعمل بقول مدعي النبوة من دون المعجزة انتهى وبالجملة تنتقض الحجة المذكورة بظنون كثيرة في أصول الدين والفقه والموضوعات وهي الَّتي قام الدّليل القاطع على عدم حجيتها وعلى المنع من العمل بها فما هو الجواب عنها فهو الجواب عن الظنون المبحوث عنها وهذا النّقض على هذه الحجة كذلك يرد على الحجة السّابقة من غير تفاوت كما لا يخفى لا يقال لولا الإجماع على عدم حجية هذه الظنون لكنا نقول بحجيتها أيضا نظرا إلى الحجة المذكورة فالإجماع هو الفارق والمخصّص للقاعدة الكلَّية ومثله في الشّرعيات غير عزيز فإن أكثر كليّاتها قد يخصص بالإجماع لأنا نقول الحجة المذكورة قاعدة كلية عقليّة كالحجّة السّابقة وقد تقرر أن الكلَّيات العقليّة لا تقبل التخصيص فلا يجوز أن يقال كل اجتماع الضّدّين غير جائز إلا في المورد الفلاني ولا كل جسم يحتاج إلى حيّز إلا الجسم الكذائي ولا كل تكليف بما لا يطاق غير جائز إلا التكليف الفلاني ولا كل قبيح لا يصدر من الحكيم إلَّا القبيح الفلاني وذلك أحد وجوه الفرق بين العمومات العقلية والعمومات اللَّفظية والوجه أنّ العمومات العقليّة من حيث استنادها إلى دليل قطعي يفيد ثبوت الحكم لجزئيات كثيرة إجمالا أو تفصيلا أو لمفهوم كلي يندرج تحته جزئيات كثيرة فيكون كل جزء محكوما بذلك الحكم على وجه القطع واليقين فلا يمكن تخصيصه من الكليّة لاستحالة اجتماع الضّدين ولا كذلك العمومات اللَّفظيّة فإن الحكم المعلَّق عليها ليس مستندا إلى أمر يوجب القطع بثبوته لكلّ جزئي من الجزئيات بل غايته الظهور والظاهر يندفع بالقاطع أو الأظهر وهو ذلك المخصّص وقد أشار إلى ما ذكر في المعارج فقال بعد إيراده النقض بخبر الفاسق والكافر لا يقال لولا الإجماع لقلنا به لأنا نقول حيث منع الإجماع من اطراد هذه الحجة دلّ على بطلانها لأن الدّليل العقلي لا يختلف بحسب مظانها وفيه أيضا في حيث القياس لا يقال منعت الدّلالة من العمل بما ذكرته لأنا نقول لو كان الظن أوجها لوجوب العمل لاطرد ذلك كما أن رد الوديعة لما كان وجها موجبا لم يختلف وجب الفعل الَّذي نقع عليه وفيه نظر لأن الكليات العقلية على قسمين كالكليات اللَّفظية أحدهما ما يكون الحكم فيه معلَّقا على جميع الجزئيات على وجه الإطلاق من غير تقييد بقيد مخصوص من القيود المتعارفة كالشرط والصفة والغاية ونحوها وهذه نسميها بالكليات المتنجزة وهذه هي الَّتي لا تقبل التخصيص وإخراج بعض الجزئيات عنها وثانيهما ما يكون الحكم فيه معلقا على جميع الجزئيات لكن لا مطلقا بل بانضمام قيد واعتباره من شرط أو صفة أو غاية أو نحوها كما في قولك كل كذب قبيح وكل صدق حسن فإن الكلَّيتين مشروطتان بشرط أمّا الأولى فبعدم ظهور مصلحة وضرورة وأمّا الثانية فبعدم ظهور مفسدة ولذا يصحّ أن يقال كل كذب قبيح إلا ما يكون تركه موجبا للهلاك وكلّ صدق حسن إلا ما كان موجبا للهلاك ومثل هذه الكلية في العقليات كثيرة ونسميها بالكليات التعليقية ومن الظاهر أن خروج