السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

485

مفاتيح الأصول

على الوجوب العقلي بأنّ معرفة اللَّه تعالى واجبة عقلا لكونها مما يتوقف عليه الواجبان العقليّان أحدهما دفع الضّرر المظنون وهو خوف العقاب في الآخرة حيث أخبر بذلك جماعة كثيرون وهو خوف ما يترتب في الدّنيا على اختلاف الأمم في معرفة الصّانع من المحاربات وهلاك النّفوس وتلف الأموال فإن هذا الخوف ضرر بآخر يقدر العبد على دفعه عن نفسه كان مستحقا لأن يذمه العقلاء ثم قال وثانيها شكر المنعم ثم قال وقد يفسّر الضّرر المظنون بخوف زوال تلك النّعم عنه أيضا فإن قيل لا يسلَّم ظن الخوف في الأعم الأغلب إذ لا يلزمه الشّعور بالاختلاف وبما يترتب عليه من الضّرر وبالصّانع وبما ترتب في الآخرة من الثواب والعقاب والأخبار بذلك إنما يصل إلى البعض وعلى تقدير الوصول لا رجحان لجانب الصّدق ولو سلم الخوف فلا نسلَّم أن تحصيل المعرفة يدفعه لأن احتمال الخطاء قائم لخوف العقاب والاختلاف بحاله الجواب أن منع ظن الخوف مكابرة إذ الشّاعر بالاختلاف وبالصّانع وبما يتبع الشعور بها غالب لا محالة وذلك معلوم عادة وإن لم يلزم عقلا العبرة بالوقوع لا اللَّزوم وكذا من لم يصل إليه الأخبار بذلك أقل قليل بل نادر جدّا وإذا وصل فاحتمال الصّدق كاف في ظن ضرر الخوف ولا يجب رجحانه كما لا يخفى على المتأمل أن احتمال الضرر كاف في احتمال الخطاء في المعرفة في نفس الأمر لا ينافي كون المعرفة المقطوعة الصّواب باعتقاد العارف دافعة لخوف الضرر مع أن سدّ طرق الخطأ مأمون لمراعات القانون العاصم وفي شرح الباب الحادي عشر ومتن التجريد التوبة دافعة للضرر ودفع الضرر واجب وإن كان مظنونا انتهى الثّالث ما ادعاه في الإيضاح من الإجماع على ذلك ويعضده ما ذكره في شرح الطَّوالع فقال في بحث الإمامة يجب علينا نصب الإمام سمعا لأن نصب الإمام يدفع ضررا لا يندفع إلا بنصب الإمام وكلما يدفع ضررا لا يندفع إلا به فهو واجب فنصب الإمام واجب أمّا الصّغرى فلأنا نعلم أن النّاس إذا كان لهم رئيس قاهر يخافون عقابه ويرجون كان لهم في التحرّز عن الضّرر والمفاسد أتم مما إذا لم يكن هذا الرّئيس وأن البلد إذا شعر عن رئيس قاهر يأمر بالطَّاعة وينهى عن السّيئة ويدرأ بأس الظَّلمة عن المستضعفين استحوذ عليهم الشّيطان وظهر وفشا فيهم الفسوق والعصيان وشاع الهرج والمرج فثبت أن نصب الإمام يدفع ضررا لا يندفع إلا به وأما الكبرى فلأن دفع الضّرر عن النفس بقدر الإمكان واجب بإجماع الأنبياء عليهم السلام واتفاق العلماء وما يدفع ضررا لا يندفع إلا به فهو واجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب قيل صغرى هذا الدّليل عقليّة من باب الحسن والقبح وكبراه أوضح عقلا من الصّغرى انتهى الرّابع أنه لو لم يجب دفع الضّرر المظنون لجاز تركه وهو مستلزم لترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح عقلا وكل مّا هو قبيح عقلا يجب تركه عقلا ونقلا الخامس ما أشار إليه في الإيضاح من أنه لو لم يجب دفع الضّرر المظنون للزم إلقاء النفس في التهلكة وهو حرام لقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة السّادس أن دفع الضّرر المظنون قسم من أقسام الاحتياط لصدقه عليه حقيقة عرفا ولغة وقد وردت أخبار كثيرة متضمّنة للأمر به الموضوع للوجوب لغة وعرفا وشرعا كقوله عليه السلام خذ الحائطة لدينك وقوله عليه السلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وغير ذلك من الأخبار وهذه الأخبار إمّا متواترة فلا إشكال في حجّتها وإن كانت دلالتها ظنية لأن هذا الظنّ من الظنون المخصوصة ويجوز أن يثبت بالظَّن المخصوص حجيّة غيره من الظنون غير المخصوصة وإما غير متواترة ولكنها متلقّاة بالقبول ومجمع على حجيتها فتأمل السّابع أنه لو لم يجب دفع الضرر المظنون بالعمل بالظنون المبحوث عنها لوجب ارتكاب الضّرر المظنون في جملة من الصور الَّتي يلزم فيها الحكم بوجوب ارتكاب ما ظن بضرره من ترك واجب أو فعل محرّم إذا لم نقل بحجية تلك الظنون باعتبار ظاهر كتاب أو ظاهر سنة متواترة أو قاعدة شرعية إذ لا إشكال في أنّه إن لم نقل بحجية تلك يلزم الرّجوع إلى دليل شرعي آخر غيرها ولو لم يكن مفيدا للعلم والتالي باطل لأن وجوب ارتكاب الضّرر المظنون ضرر في نفسه ومع ذلك فقد يكون ذلك مستلزما للحرج العظيم وكلاهما منفيان شرعا بالأدلة القاطعة من الكتاب والسّنّة والإجماع ودليل العقل وقد يناقش في هذه الحجّة من وجوه الأول أنه يلزم عليها أمور منها لزوم العمل بخبر الفاسق والكافر وقد أشير إلى هذا في جملة من الكتب ففي الذريعة في مقام رد الحجة المذكورة وبعد فهذه الطريقة توجب عليهم أن يكون الفاسق كالعدل والمؤمن كالكافر وأن يكون المعتبر حصول الظن من غير اعتبار الشروط الَّتي يوجبونها في خبر الواحد ولا أحد يقول بذلك وفي الغنية في المقام المذكور على أنّ ذلك يوجب أن يكون الفاسق كالعدل والكافر كالمؤمن من غير اعتبار ما شرطوا له وفي المعارج في المقام المذكور وما ذكروه منقوض برواية الفاسق لا بل رواية الكافر فإنّ الظن يحصل عند خبره انتهى ومنها لزوم العمل بقول مدعي النّبوة والإمامة من غير معجزة ودلالة وقد أشير إلى هذا في جملة من الكتب في المقام المذكور ففي الذريعة وهذه الطَّريقة أيضا توجب العمل على قول مدعي الرّسالة لهذا الضّرب من الاحتياط والتحرز به وفي العدة أن الَّذي ذكروه غير صحيح من وجوه أحدها أن الاعتبار الَّذي اعتبروه يوجب عليهم قبول خبر من يدّعي النّبوة من غير علم يدلّ على ثبوته لأن العلَّة قائمة فيه وهي وجوب التحرز من المضار فأي فرق فرّقوا في ذلك فرقنا بمثله في خبر الواحد وفي المعارج ويلزم على ما ذكروه وجوب العمل بقول