السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

479

مفاتيح الأصول

الأخذ بالراجح منها حتى يقوم دليل قاطع على خلافه من الإجماع أو غيره فنأخذ به كما في مثل النقض وغيره لكن للتأمل في مثل هذا الوجه مجال ويمكن إثبات الملازمة بوجه آخر أوضح من هذا الوجه وقريب منه بل نفسه إلا أن يقال علي التقدير الثاني إن حجية مثله إذا كان ضعيفا مستلزم الحجيّة ما هو أقوى منها بطريق أولى والأولوية ظن مخصوص قطعا لكونها مجمعا عليها والنّقض على هذا بما نقض به في الوجه السّابق مدفوع بما ذكرنا ولا مجال للتأمل فيه هنا بناء على أن الأولوية دلالة ظاهرية يمكن تخصيصها بأقوى منها حيثما تعارضا ولا يقدح ذلك في حجيتها كما هو الحال في سائر الظنون الَّتي هي من قبيلها وثبت ظنيّتها وإفادتها الظهور كما لا يخفى فتأمل فإن قلت نمنع ذلك إذ ربّما يتمكن المجتهد من إثبات ما ليس بضروري بالتواتر المعنوي الحاصل له من تتبع النّصوص كما يتفق أحيانا وبالإجماع أيضا على إمكان العلم به في مثل زماننا هذا أيضا على الأقوى فإن في كثير من المواضع ثبت من التطلع والتظافر والتسامع من القدماء والمتأخرين وربّما انضم إليه القرائن من الأخبار والقرآن والعقل وغيرها بل ربّما نقل الإجماع بحدّ التواتر مثل الإجماع على اشتراط الإذن الخاص في وجوب صلاة الجمعة وربّما انضم إلى الإجماع المنقول بخبر الواحد أمثال ما ذكر إلى حد يحصل اليقين وربّما يحصل العلم من الخبر المحفوف بالقرائن سيّما إذا استفاض وبلغ حد الكثرة في الاستفاضة وأصالة البراءة في الموضع الَّذي لا يكون فيه دليل على التّكليف من اليقينيات للآيات الكثيرة ومثلها من السّنة والإجماعات المنقولة واتفاق فتاويهم عليها بل ويحصل القطع أيضا من ملاحظة طريقة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام بالنّسبة إلى المكلَّفين في تكاليفهم وبالجملة دعوى انسداد باب العلم في المسائل الاجتهادية كلَّها واستلزام طرح الظنون الاجتهادية فيها ما مضى مخالف للوجدان في كثير من المواضع قلت إن تلك المواضع المدعى فيها إمكان تحصيل العلم لا يبلغ عشر معشار الفقه قطعا ومع ذلك فحيثما يحصل لا يحصل غالبا إلا علوما إجمالية بحيث يحتاج في تشخيص معلوماتها إلى الظنون الاجتهادية يقينا وبالجملة فهذا القدر من العلم حيث يحصل لا يكفي لإثبات التكاليف كما هي في لأحكام الشرعية المقطوع بثبوتها وبقائها إلى يوم القيامة كما أن الضّروري من الدّين والمذهب لا يكفي لسائر الأحكام الشّرعية فلا بدّ من اعتبار الظن من حيث هو لعدم التّكليف بما لا يطاق وعدم إمكان الخروج عن العهدة بعنوان اليقين ومما ذكر ظهر أن القرآن لو كان قطعيّ الدلالة أيضا لا يكفي ولا يكفي بذلك وكذلك أصالة البراءة ولنا على إثبات حجّية الشهرة طريق آخر من غير جهة الدليل الرابع وهو أنا نرى العلماء العاملين بأخبار الآحاد يعتمدون في تعديل رواتها وتصحيحهم وتفسيقهم وغيرها على الظَّنون الضّعيفة غاية الضعف حتى أن الَّذي يقتصر منها على الصحيح الثابت عدالة رواته بشهادة العدلين مثلا ولا يتعدى عنه أصلا نراه في تميّز الرّواة المشتركين بين العدل وغيره ممّن يقدح وجوده عنده أو عند الكلّ في حجّيته يعتمد على مثل القرائن الرجالية الَّتي هي في غاية من الضعف مثل أن علي بن الحكم هو الكوفي بقرينة أن أحمد بن محمّد يروي عنه وأمثال ذلك من الظنون الضعيفة الَّتي هي في غاية من الكثرة بحيث لا تعدّ ولا تحصى وكذلك يعتمدون في الترجيحات بين الأخبار المتعارضة والقرائن الرجالية وغيرهما على المرجّحات الاجتهادية التي لم يقم على أكثرها بل كلَّها دليل قاطع يجعلها ظنونا مخصوصة وعملهم هذا بلغ حدّ الإجماع على حجيّة الظنون المحتاج إليها في أخبار الآحاد وما يتعلَّق بها وإن اختلفوا في آحادها مطلقا ولو كانت ضعيفة جدّا مثل ما مضى ويلزم من حجيّتها حجيّة مثل الظنّ المستفاد من الشهرة بطريق أولى لكونه أقوى من تلك الظنون بمراتب شيء بحيث لا ينكره أحد من العقلاء ويفهم الأولوية كذلك كلّ من سمع موجبها من أهل العرف والعادة فما يقال من أنها مضرّة مقدوحة لا داعي لها ولا جهة فإن المقدوح من الأولوية ليس إلا ما إذا كان مترددا فيها غير واضحة في العرف والعادة وليس منها هذه الأولوية لما عرفته فليس منكرها بهذا الطَّريق إلا من قبيل الغريق تشبث بكل حشيش وأضعف منه ما يقال في رفعها بأنها من أقسام دلالة الألفاظ لكونها دلالة التزامية عرفية على ما هو التحقيق فيها ولا لفظ هنا يدل على حكم الأصل حتى يتفرع منه انسحابه وجريانه في الفرع بطريق أولى إذ ليس المقدّمات العقليّة المرتبة والإجماع المتقدم إليهما الإشارة وهما ليسا من الأدلة اللَّفظية حتى يترتب عليهما الأولوية وذلك لأن الإجماع ونحوه وإن لم يتضمنا لفظ الحكم عن الشارع صريحا إلا أنهما كاشفان عنه قطعا بناء على أن حجيتها عندنا ليست بخصوصيّتهما بل لكونهما كاشفين عن قول الشّارح وهي الحجّة وعليه فما لهما إلى اللفظ حدّا فيترتب عليه الأولوية قطعا وأضعف منهما القدح فيها باحتمال أن يكون للأصل في الحكم مدخلية لجريانه في كلّ أولوية ألا ترى أنه فرق بين قولك هنا وبين قول القائل في آية التأفيف بأنه قد يكون للخصوصيّة مدخل في التحريم فلا يتعدى إلى أنواع الأذى من الضرب والشتم ونحوهما وقوله هذا مخالف للضرورة قطعا فكذلك قولك هذا والجواب عنهما واحد وهو أن احتمال الخصوصية لا ينظر إليها بعد إطباق العرف على فهم الأولوية وعدم احتمالهم بها وبالجملة الأولوية من الأدلة الظاهرية لا يقدح في حجّيتها الاحتمالات الضّعيفة ولو كانت بحسب نفس الأمر محتملة وحالها كحال سائر الألفاظ مثل الأمر والنّهي فإنهما وإن