السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

478

مفاتيح الأصول

فإنّه لا يورد عليه هذا الاعتراض بالكلية ولا ينكر الملازمة وكليّة الكبرى الثابتة من جهتها من له أدنى فهم ودرية فضلا عن أولي الأفهام والسلائق المستقيمة فإن قلت مبنى ما ذكرت من تصحيح الملازمة إنّما هو دعوى عدم دليل قاطع على حجيّة أخبار الآحاد والظنون التي تتعلق بها متنا وسندا ودلالة وهي ممنوعة ولو سلمنا عدم دلالة الآيات عليها وذلك لإطباق المتأخرين على العمل بها وبالظنون التي يحتاج إليها في متعلقاتها إطباقا لا يشك في كونه منهم إجماعا وإن حصل الخلاف بين العلماء قبلهم سابقا لأنّ الإجماع عندنا هو الاتفاق الكاشف عن قول المعصوم عليه السلام ولو خلا المائة من أصحابنا مضافا إلى جواز أن يكون حكم نظريا مختلفا فيه في زمان مجمعا عليه في آخر كما برهن عليه في محلَّه وحيث قام الدّليل القاطع على حجيّة أخبار الآحاد والظنون المتعلقة بها كانت أيضا ظنونا مخصوصة كأصالة البراءة ونحوها وحينئذ لم يبق ظن غير مخصوص عدا الشهرة الخالية عن الدّليل كما هو مفروض المسألة ولا يلزم من عدم العمل بها المحذور الذي ذكرته وهو الخروج من الدّين من حيث لا يشعر قائله فإن في العمل بما عداها مغناة عنها ويحصل الأحكام الشّرعيّة كلَّها بحيث لا يشذ شيء منها قلت محصّل هذا الكلام على تقدير تسليم كون الظنون المستفادة من أخبار الآحاد وما يتعلق بها ظنونا مخصوصة كأصالة البراءة ونحوها من الكتاب والسّنّة المتواترة من غير جهة الدّليل الرّابع بل من جهة إجماع الخاصة وشناعته واضحة وجزافته ظاهرة كيف ولم يشر إلى هذا أحد أصلا ولم ينبه عليه مطلقا بل يظهر منهم خلافه جدّا سيّما في بحث تخصيص الكتاب بخبر الواحد كما لا يخفى على من راجع كلماتهم وتأمّلها تأمّلا صادقا ومع ذلك فالإجماع من المتأخرين على حجية أخبار الآحاد ليس كليا بل أجمعوا عليها في الجملة كالقدماء عند من يدعي إجماعهم عليه وهو حجية إخبار العدل المتفق على عدالته أو الثّابت عدالته بالصّحبة المتأكَّدة أو الشياع المفيد للقطع أو البيّنة الشّرعية أمّا أخبار غير العدول ليست كذلك كالموثق والحسن والقوي والضّعيف المنجبر بالشهرة ونحوها من القرائن الاجتهاديّة والصّحيح المختلف في صحّته بعدم ثبوت عدالة رواته أو بعضهم بما مرّ إليه الإشارة بل بنحو من تزكية الواحد أو اشتهار القرائن أو أمثال ذلك فلا اتفاق على حجيتها كيف لا وقد أنكر جماعة من الفضلاء حجية ما عدا الصّحيح منها وألحق بعضهم في الحجّية الموثق والحسن والخبر المنجبر بالشهرة وبعضهم نقص وبعضهم زاد عليه فلا دليل قاطع على حجّية ما عدا الصّحيح من أخبار الآحاد وينحصر الحجة فيه على تقدير تسليم دليل قاطع عليه ويأتي في الاقتصار عليه دون باقي الأنواع المحذور السّابق من الخروج من الدّين وإن كان أخف منه في السّابق وذلك فإنّ أكثر الأحكام الشّرعية مستفادة من الأخبار غير الصّحيحة غير المتفق أو المتفق على صحّتها لكن لها معارض من مثلها لا يمكن الترجيح بينهما إلا بالظنون الاجتهادية الَّتي لا إجماع على حجية كثير منها كما لا يخفى ولذا ترى أن مثل صاحب المدارك وغيره ممّن يقتصر في الأحكام على ما صحّ عدالة رواته بالعلم والبينة الشّرعية القائمة مقامه شرعا يختل نظام أحكامه ولا يتمكن من إثباتها على طريقته غالبا وتارة يستشكل ويبقى على الإشكال فيقول موافقة الأصحاب من دون دليل مشكل ومخالفتهم والتخلَّف عنهم أشكل أو بالعكس وأخرى يخالف طريقته ويوافقهم وليس ذلك إلا من حيث أن الجري على تلك الطَّريقة يستلزم اختلال كثير من الأحكام الشّرعية كما لا يخفى على من له أدنى فهم وبصيرة وعلى هذا فلا معدل عن اعتبار المظنة من حيث هي في الأحكام الشرعيّة ولا مندوحة وقد عرفت أن جهات الظن إذا كانت مختلفة ضعفا وقوة لزم الرّجوع إلى أقواها بالضرورة لتقبيح العقل ترجيح المرجوح على الرّاجح وسبق أيضا أن الشهرة ربّما يستفاد منها ما لا يستفاد من سائر الأدلَّة وبنحو هذا يجاب عن الآيات المستدل بها على حجّية الآحاد بعد تصحيح الاستدلال بها بالذب عما أورد عليه سابقا من الإجماع المنقول على عدم حجيتها بأن يقال إنه خبر واحد مخالف للكتاب فيطرح اتفاقا نصّا وفتوى واعتبارا وذلك فإنها ما دلَّت إلَّا على حجية الخبر الصحيح المتفق على صحّته والضّعيف المستظهر صدقه المثبت التبين القطعي من إجماع أو غيره من الأدلة القاطعة دون الظنّي لما يأتي ويأتي في الاقتصار عليها ما مضى كما لا يخفى هذا ولنا على إثبات الملازمة وكلَّية الكبرى المستفادة منها في الدّليل الرابع وجه آخر وهو أنه لا ريب في أنه دلّ على حجيّة الظنّ ولا يخلو إمّا أن يكون من حيث المظنة فهو المطلوب أو من حيث الخصوصيّة ولا سبيل إليه بعد ما تقرر سابقا وتمهّد من أنّ الظن المستفاد من نحو أخبار الآحاد والشهرة أقوى ممّا يستفاد من غيرهما من الظنون المخصوصة كأصالة البراءة وأنه حيثما تعارضا لزم العمل بأقواهما لكونه راجحا والضّعيف مرجوحا وترجيح المرجوح على الراجح قبيح عقلا فكذا شرعا وحينئذ فاحتمال الخصوصية يستلزم ترجيح الشارع المرجوح بتخصيصه له بفضيلة الخصوصيّة دون ما هو أرجح منه بمراتب عديدة وهو باطل بالضرورة فإن قلت لو تم هذا لوجب فيما إذا حصل للحاكم من شهادة العدل الواحد أو دعواه ظن أقوى من الظن الحاصل بشهادة العدلين أن يحكم بالواحد أو بالدّعوى وهذا خلاف الإجماع قلت نعم إلا أن الإجماع المدعى هو الفارق ولولاه لقلنا فيه مما قلناه في المقام لكنه المانع ومثله فيما نحن فيه غير حاصل وعليه فيكون الأصل في الظنون المختلفة ضعفا وقوّة لزوم