السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

477

مفاتيح الأصول

كلام جماعة من القدماء كابن زهرة والحلي والمرتضى فإن قلت هذا الإجماع معارض بمثله المحكي في كلام الشيخ وغيره وهو أرجح لاشتهاره بالشهرة المتأخرة العظيمة قلت اعتبار الشهرة مرجحا لا دليل قطعي عليه على تقدير منع حجيّة ظن المجتهد مطلقا إلا إذا كان ظنا مخصوصا مجمعا عليه فإنه لا يتصور دليل قاطع هنا سوى الإجماع ودعواه فيما نحن فيه كما ترى فإن المانع عن حجيّة أخبار الآحاد مثلا لا يمنع لكونها أخبار آحاد بل لأنها لا تفيد إلا ظنا وهذه القلة جارية في المقام فكلماتهم تمنع عن حجيّته أيضا ومن هنا يظهر فساد دعوى الإجماع على حجية الظنون المحتاج إليها في الأخبار والظنون المتعلَّقة بها متنا وسندا ودلالة كيف لا وأصل حجيتها مختلف فيه لا إجماع فيه أصلا فكيف يكون إجماع على حجية الظنون المتعلقة بها مضافا إلى فساد هذه الدّعوى من جهة حجّة أخرى ستقف عليها إن شاء الله تعالى فإن قلت المراد من الإجماع المدعى ليس إجماع الكل بل إجماع القائلين بحجية أخبار الآحاد ويعبّر عن مثله بالإجماع المركب قلت مثل هذا الإجماع على تقدير تسليم إفادته القطع في مثل ما نحن فيه وحجيته وكونه دليلا قاطعا إنما يجدي نفعا لو ثبت حجية نفس أخبار الآحاد أوّلا مع أنها غير ثابتة كيف لا وأنت بعد في صدد إثباتها بالآيات ولا دليل لك غيرها وقد عرفت أنه لا يتم إلا باعتبار المرجح الظَّني وإثباته بالإجماع المزبور دور فتأمل مع أنّ هذه الشهرة معارضة بالشهرة القديمة المحكية بل الظاهرة مضافا إلى تعدد النقلة والاعتضاد بالأصول القطعيّة ولو لم تترجح هذه المرجّحات على تلك فلا أقل من المساواة والمكافاة فإن قلت غاية الاعتراض عدم جواز الاعتماد على مثل هذا المرجح الظني ومقتضاه تكافؤ الإجماعين المنقولين من الطرفين فيتساقطان في البين فيكون وجودهما كعدمهما فيبقى عموم الآيات الدّالة على حجية أخبار الآحاد سليمة عن المعارض طرا قلت القول بتساقط المتعارضين عند التكافؤ خلاف التحقيق عند المجتهدين وكذا الأخباريين لمصيرهم إلى التخيير كما عليه الأوّلون والتّوقف كما عليه الآخرون وكلاهما ينافيان المطلوب من وجوب العمل بأخبار الآحاد وتحتمه قطعا بحيث يكون مخالفتهما وطرحها حراما أمّا على التقدير الآخر فواضح ومقتضاه عدم جواز الخروج عن الدليل القطعي الدّالّ على عدم جواز العمل بالظن مطلقا وخصوص الأدلَّة القاطعة النافية للتّكليف كأصالة البراءة ونحوها في خصوص المسألة الَّتي وردت أخبار الآحاد بإثبات التّكليف فيها وأمّا على التقدير الأوّل فكذلك أيضا وإن كان فيه شائبة الوجوب لأن غايته الوجوب التخييري وهو خلاف المطلوب المجمع عليه بين الفريقين المانعين عن حجيّة الآحاد والمثبتين لها فإن الأولين يحرمون العمل بها والباقين يوجبونه ويحرمون التخلف عنها مطلقا مع أن البناء على التخيير يوجب المحذور الَّذي قدمناه من استلزام ترك العمل بما عدا الظنون المخصوصة المجمع عليها مثلا الخروج عن الدّين من حيث لا يشعر تاركه وذلك فإن محصّل التخيير ومفاده جواز ترك العمل بالآحاد مطلقا في المواضع كلها والرّجوع إلى الأدلَّة القطعية والظنون المخصوصة ولو بني على هذا وأخذ فقهه وحصّله كذلك لم يكن له من الدّين إلا رسمه ومن الإسلام إلا اسمه فإن قلت لم يلزم ذلك والحال أنه في كل مسألة اجتهاديّة وقع الخلاف فيها لو ترك العمل بما عدا الظنون المخصوصة واتخذها خاصة حجّة فقد وافق قائلا من العلماء ولا يكون بذلك خارجا عن الدّين ولا عن طريقة المسلمين قلت إنه وإن وافق في كلّ مسألة قائلا من العلماء إلا أنه بعد رجوعه في جميع المسائل المختلف فيها الَّتي هي أكثر الأحكام الشرعية جدّا إلى ما عرفته خالف العلماء طرا إذ لم يوجد منهم من يرجع في جميع تلك المسائل إلى الظنون المخصوصة ويطرح جميع ما عداها ويعمل بمقتضاها خاصة بل إن عمل بعضهم في بعض المسائل كذلك لفقد دليل خاص قطعيّ أو ظنّي يخصّص به الأصول المزبورة لكنه يعمل في غيره بخلافها لقيام دليل قاطع عليه عنده أو ظنّي يخصّصها ولا قاطع لهذا الثالث إذ الَّذي يدّعيه ويخصّص به الأصول في جملة من المسائل إنما هو القدماء المتمكنون من تحصيله غالبا كما يفهم من المرتضى وابن زهرة وأضرابهما وهذا لم يتمكن من ذلك جدّا والمفروض أيضا أنه لم يعتمد ظنيّا ( ظنا ) إذ لم يكن ظنّه ظنّا مخصوصا وبالجملة لا ريب ولا شبهة في أنّ المقتصر على الظنون المخصوصة في الأحكام الشرعية في نحو هذه الأزمنة كذلك لم يبق له أثر من الإسلام والشّريعة وبملاحظة هذا يظهر بداهة وجوب اعتبار ظن آخر ما عدا الظنون المخصوصة المجمع عليها من نحو أخبار الآحاد وغيرها وحيث تساوت مراتبها في كونها ظنونا غير مخصوصة ولم يمكن ترجيح بعضها على بعض من هذه الجهة لا جرم جاز العمل بكلّ منها بل وجب حيث لا يعارضها أقوى منها بحسب القوّة والضّعف وحيث ثبت جواز العمل بالظن مطلقا مخصوصا كان أو غيره ظهر أنّ التّكليف في أمثال هذه الأزمنة المنسد فيها باب العلم القطعي بالأحكام الشرعية إنما هو بالمظنة من حيث كونها مظنة وبه ثبت الملازمة ويتضح كونها ضرورية ويتوجه ما ذكرنا من حجيّة الشهرة لأن الظن الحاصل منها أقوى من الظنّ الحاصل من أصالة البراءة وغيرها وإنما لم يذكر صاحب المعالم هذا الدّليل القاطع المتمم به الملازمة لوضوحه من الخارج غايته فكأنّه أحاله إلى الظهور الخارجي للبداهة ولو سلَّم عدم الإحالة فغايته أورد الاعتراض بمنع الملازمة عليه دون من يضم إلى ما ذكره من المقدّمات هذه المقدمة