السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

474

مفاتيح الأصول

اعتباره اعتبار كلّ ظن ولا يخفى أنّه على هذا يتم الجواب عند قوله فيحتمل ولا حاجة إلى ضميمة ذلك فيحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى جواب آخر وهو أنّه يحتمل أن يكون من جملة تلك القرائن الموجبة لهم الانتقال عن الظاهر خبر الواحد وحينئذ فيما وجد فيه خبر الواحد على خلاف ظاهر القرآن لا علم لنا بكونهم مكلَّفين بظاهر القرآن حتى يعلم منه كوننا أيضا مكلفين به بل يحتمل أن يكونوا مكلَّفين بمقتضى الخبر ويكون أيضا مكلفين بمقتضاه مثلهم فلا يمكن لنا في مثله طرح الخبر والعمل بالظاهر بناء على إفادته العلم أو لكونه مفيدا لظن مخصوص إذ قد ظهر انتفاء كلّ منهما وثانيهما أن يكون المراد وقوع الإجماع وقضاء الضرورة بكوننا أيضا مكلَّفين بظاهر القرآن مثلهم وإن لم يشمل الخطاب لنا لكنه نقول إنهم لم يكونوا مكلَّفين بالظواهر مطلقا بل إذا لم يكن قرينة صارفة عنها كما ذكرنا فنحن أيضا بحكم الإجماع والضرورة المذكورين نكون مكلَّفين بالظواهر إذا لم يكن قرينة صارفة مطلقا وعلى هذا فيحتمل أن يكون من جملة تلك القرائن خبر الواحد المفيد للظن ففي ما وجد فيه ذلك ليس لنا علم بكوننا مكلفين بالظاهر وطرح الخبر فما يستفاد من الظاهر فيه ليس علما ولا ظنّا مخصوصا قام على وجوب العمل به دليل وعلى هذا يكون تمام الكلام جوابا واحدا لكن لا يخفى أنه على هذا لا حاجة إلى التمسّك بحديث خطاب المشافهة واختصاصه بالموجودين بل يكفي أنّ التمسّك بالظواهر لا ريب في اختصاصه بما إذا لم يقم قرينة صارفة عنها ويحتمل أن يكون أخبار الآحاد من جملة تلك القرائن وعلى هذا فمع وجود الأخبار الصّارفة لا يحصل العلم من الظواهر ولا الظَّن المخصوص فتدبّر هذا في ظواهر القرآن وأما أصالة البراءة فقد أشار إلى أنه يمكن الالتفات فيه أيضا بنحو ما ذكره أخيرا بقوله ولو سلَّم بأن يقال إن الظن الحاصل بها ظن مخصوص قام على وجوب العمل به دليل قاطع هو الإجماع فلا يلزم من وجوب العمل به وجوب العمل بالظن مطلقا وأشار إلى أن جوابه أيضا هو ما ذكره في جوابه في الظن الحاصل بالظواهر وهو أن الإجماع على وجوب العمل بأصالة البراءة إنما هو فيما إذا لم يقم بإزائها خبر واحد يفيد الظن بخلافها وأما فيما وجد فيه ذلك فالظاهر أنه لا إجماع على وجوب العمل بها وترك الخبر فالظن الحاصل بها مع قطع النظر عما يعارضها إذا كان مع المعارض بما لم يقم على وجوب العمل به قاطع حتى يقال إنه ظن مخصوص لا يلزم من وجوب العمل به وجوب العمل بالظن مطلقا واتباع ما هو أقوى انتهى ورابعا بأنه لو سلَّمنا فساد جميع ما ذكرناه من الأجوبة فلا إشكال في أن ظاهر الكتاب لا يكفينا بل الاقتصار عليه يلزم معه الخروج من الدّين جدّا ولا يحتاج ذلك إلى تنبيه اللَّهمّ أنا أن يستدل بآية النّبإ منطوقا ومفهوما على حجيّة جملة من الأخبار فإن مفهوم قوله إن جاءكم فاسق بنبأ إلى آخره أن العادل إذا جاء لم يجب التبيّن في خبره فيجب الأخذ به إما لأن مفهوم الصّفة حجّة كما عليه جماعة من المحققين أو لأن مفهوم الشرط حجة كما عليه آخرون وإذا لم يجب التبين في خبر العدل كما يجب في خبر الفاسق فلا يخلو إمّا أن يجب قبوله أو يجب ردّه لا سبيل إلى الثاني لأنه يلزم منه أن يكون العادل أسوأ حالا من الفاسق وهو باطل جدّا فتعيّن الأول ولذلك صار جماعة من المحققين إلى حجيّة أخبار العدول فمفهوم الآية الشريفة يدلّ على حجيّة جملة من الأخبار وهي أخبار العدول وأمّا منطوقها فهو يقتضي حجيّة جملة من الأخبار كالموثّق والحسن والضّعيف المنجبر والضعيف المحفوف بالقرائن المفيدة للظنّ بالصّدق لدلالته على أن خبر غير العدل يكون مقبولا بعد التبيّن فيه والمراد بالتّبين استظهار الصّدق سواء بلغ حدّ القطع أم لا فالتّبيّن يعمّ القطع والظن ثم إن قلنا إن المراد من الفاسق في الآية الشّريفة معلوم الفسق كما هو المتبادر من إطلاقه كتبادر النقد الرائج من إطلاق لفظ النقد يلزم أن يكون خبر مجهول الحال حجة فيلزم حجيّة المراسيل وغيرها بأسرها لأن وجوب التّبيّن على هذا يكون مشروطا بالعلم بالفسق فينتفي بانتفائه فيلزم ما ذكرنا فيلزم حجيّة أخبار كثيرة بملاحظة المنطوق والمفهوم وإذا ضمّ هذه الأخبار إلى ظاهر الكتاب وظاهر الأخبار المتواترة لفظا وإلى الأدلَّة المفيدة للعلم بالحكم الواقعي المتحصّلة من الكتاب والسّنة والإجماع ودليل العقل يحصل أدلة كثيرة على الأحكام الشّرعيّة الفرعية فلا يلزم الخروج من الدّين بالاقتصار عليها فيكون لازما نظرا إلى الأصل القطعي المستفاد من العقل والعمومات القطعية الواردة في الكتاب والسّنة المانعة من العمل بغير العلم فإذن لم يبق وجه يقتضي أصالة حجيّة كلّ ظن وقد يقال مفهوم الآية الشريفة ومنطوقها لا يقتضيان حجيّة خبر في الأحكام الشرعية مطلقا أمّا الأوّل فواضح على القول بعدم حجيّة المفاهيم مطلقا كما يستفاد من السّيّد المرتضى وكذا على القول بعدم حجيّة مفهوم الصّفة ومفهوم الشرط على تقدير القول بحجيّة مفهوم المخالفة في الجملة وكذا على القول بأن المفهوم لا يفيد العموم كالمنطوق كما عليه بعض المحققين من أصحابنا وأمّا على المختار من حجيّة مفهوم الشّرط وإفادته للعموم فلوجوه الأول أن غاية ما يستفاد من المفهوم نفي وجوب التبيّن والتثبت في خبر العدل وهو لا يستلزم قبوله حيث لم يحصل منه العلم قولكم إنه إذا لم يقبل ولم يجب فيه التبين يلزم أن يكون العدل أسوأ حالا من الفاسق قلنا ذلك ممنوع لجواز أن