السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
472
مفاتيح الأصول
بالظن في أصول الدين ويعرف ذلك من كتبهم ومن المحكي عن أكثرهم فإن قلت استدلالهم في الأصول من باب الجدل أو لأجل تكثير القرائن حتى تحصيل العلم قلت هذا جار هنا أيضا فقد تحقق مما ذكرنا أن مجرد الاستدلال بظواهر الكتاب لا يقتضي حصول الإجماع بالمعنى المتعارف بين الشيعة على حجيتها لا عقلا ولا عادة فتدبر وبالجملة استفادة الإجماع بالمعنى المعروف على حجية ظاهر الكتاب وغيره من جملة الظنون في غاية الإشكال على أنّ جماعة من محققي أصحابنا يمنعون من إمكان الاطلاع على الإجماع في زمن الغيبة ويلزم هؤلاء أن لا يقولوا بالظنون المخصوصة لما عرفت من انحصار دليل هذا القول في الإجماع وثانيا بأنا لو سلَّمنا حصول الإجماع على حجيّة ظاهر الكتاب في الجملة فنمنع من انعقاده على حجيّة جميع أفراده لأنّ غاية ما يستفاد من الاستدلال المتقدم إليه الإشارة ثبوت الإجماع على حجيّة ظن مستفاد من الكتاب في الجملة وأمّا أن الظنّ المستفاد من الكتاب بأي نحو حصل فلا نسلَّم الإجماع عليه إذ من الظاهر أن العقل لا عموم له كما تقرر في الأصول هذا ويؤيد المنع المذكور منع السيد المرتضى وتابعيه ومن جملتهم ابن زهرة حجيّة المفاهيم بأسرها موافقة كانت أو مخالفة إذ من الظاهر أن ذلك ليس من باب منع المفهوم لبعده في الغاية من السيّد وأضرابه بل الظاهر أنّه من باب منع حجيّة الظن المستفاد من الدلالة الالتزامية وحكي هذا عن بعض على الظاهر وكذا يؤيّده بعض الخلافات في المسائل اللَّغوية كترجيح المجاز على الاشتراك والتخصيص على المجاز ونحو ذلك فإن الظاهر أنه من باب منع حجية أمثال هذه الظنون لا من باب منع أصل الدلالة وبالجملة إذا تتبعت الكتب الأصوليّة وجدت الشواهد والمؤيّدات لمنعنا كثيرة فلا نطيل الكلام بذكرها بل نحيله على إنصاف الخصم وكذلك نمنع أصالة حجية الأخبار وعمومها إن سلَّمنا أصل الحجية بالإجماع مع أنه ممنوع فإن السّيد المرتضى وابن زهرة وابن إدريس وابن البراج على عدم جواز العمل بخبر الواحد مطلقا بل نسب هذا إلى كثير من القدماء ومع مخالفتهم كيف يمكن دعوى الإجماع على ذلك وثالثا بأنا لو سلمنا حجيّة ظاهر الكتاب بأي نحو حصل وكذلك أخبار العدول باعتبار الإجماع فنقول إن الإجماع إنما هو في صورة خلوّ ما ذكر عن معارضة الظنون التي هي محل البحث كالظن الحاصل من الشهرة والاستقراء وأما في صورة المعارضة فلا إجماع قطعا لأن الإجماع إنما حصل من اتّفاق القائلين بالظنون المخصوصة والقائلين بأصالة حجية كل ظن وهو هنا مفقود قطعا لأن القائلين بأصالة حجية كلّ ظن يوجبون هنا العمل بظن الشهرة والاستقراء إذا كانا أقوى ومع مخالفتهم يستحيل دعوى الإجماع على ظاهر الكتاب حينئذ وذلك واضح جدا ومجرد حجية ظاهر الكتاب وخبر العدل في صورة الخلوّ عن المعارض لا يجدي هنا كما لا يخفى فيبقى حينئذ ظاهر الكتاب وخبر العدل خاليا عن دليل الحجية بالخصوص كما أن المعارض له وهو الشهرة مثلا كذلك حينئذ ومن الظاهر أنه يجب حينئذ العمل بأقوى الظنين عقلا لأن التّوقف وعدم الترجيح يلزم معه الخروج من الدّين لتحقق التعارض المشار إليه في أكثر المسائل الفقهية بل ما لم يتحقق فيه التعارض المذكور في غاية الندرة كما لا يخفى وترجيح الكتاب وخبر الواحد حينئذ مع كون الظن المستفاد منه أضعف بمراتب من الظن الحاصل من معارضة ترجيح للمرجوح على الرّاجح وهو قبيح عقلا فلم يبق إلا الأخذ بالأقوى ومن الظاهر أنه إذا لزم الأخذ به وصار حجة في هذه الصّورة فيلزم أن يكون حجة في صورة خلوه عن المعارض بطريق أولى وهذه الأولويّة معلوم اعتبارها عقلا إذ يقبح ارتكاب خلافها جدّا ولئن تنزلنا ومنعنا من حجيتها مع أنه في الغاية فنقول يلزم ذلك بالإجماع المركب إذ من الظاهر أن كل من قال بحجية الشهرة مثلا في هذه الصّورة قال بحجتها مطلقا ولا شك أن هذا الإجماع أظهر من الإجماع الذي ادعاه القائلون بالظنون المخصوصة كما لا يخفى ثم لو تنزلنا ومنعنا الترجيح فلا أقل من التخيير في العمل بالمتعارضين ومعه يتجه ما ذكرناه من أصالة حجية كلّ ظن بعد ضمّ الإجماع المركب المشار إليه هنا أيضا ولا إشكال في تحققه وقد أشار إلى بعض ما ذكرناه في المعالم في مقام ذكره الحجة المذكورة ونحن نذكر جميع ما ذكره في هذا المقام فنقول قال في مقام الاحتجاج على حجية خبر الواحد الرابع أنّ باب العلم القطعي بالأحكام الشرعية التي لم تعلم بالضرورة من الدين أو من مذهب أهل البيت عليهم السّلام في نحو زماننا منسد قطعا إذ الموجود من أدلتها لا يفيد غير الظن لفقد السنة المتواترة وانقطاع طريق الاطلاع على الإجماع من غير جهة النقل بخبر الواحد ووضوح كون أصالة البراءة لا تفيد غير الظن وكون الكتاب ظني الدلالة فإذا تحقق انسداد باب العلم في حكم شرعي كان التكليف فيه بالظن قطعا والعقل قاض بأن الظن إذا كان له جهات متعددة متفاوتة بالقوة والضّعف فالعدول عن القوي منها إلى الضعيف قبيح ولا ريب أن كثيرا من أخبار الآحاد يحصل به الظَّن ما لا يحصل بشيء من سائر الأدلَّة فيجب تقديم العمل بها لا يقال لو تم هذا لوجب فيما إذا حصل للحاكم من شهادة العدل الواحد أو دعواه ظن أقوى من الظن الحاصل بشهادة العدلين أن يحكم بالواحد أو بالدعوى وهو خلاف الإجماع لأنا نقول ليس الحكم في الشهادة منوطا بالظن بل بشهادة العدلين