السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
470
مفاتيح الأصول
كالظن الحاصل من القياس وخبر الكافر وذلك باطل بالضرورة من الدين وإجماع المسلمين فعلى هذا لا يجوز العمل بكل ظن بعد انسداد باب العلم بمعظم الأحكام الشرعيّة لأن الشارع أوجب علينا العمل بظنون مخصوصة أو بأمور معيّنة تعبدا فالأصل في غيرها عدم جواز العمل عقلا ونقلا وبالجملة لا نسلَّم أن بعد انسداد باب العلم يكون المناط هو نفس الظن حتى يؤخذ بالراجح مطلقا ويترك المرجوح كذلك بل المناط ما جعله الشارع حجة مخصوصة إما على وجه التعبد المحض أو على أنه ظن مخصوص ويكون حينئذ حال الأحكام الشرعية حال موضوعاتها الصّرفة في لزوم الاقتصار على ما جعله حجة بخصوصه وعدم صحة العمل بكل ظن وقد أشير إلى ما ذكرناه من الإيراد في جملة من الكتب ففي بعض مؤلفات السيّد الأستاذ قدس سره الحجة عندنا ليس إلا اليقين أو الظن المعتبر شرعا وهو الظن المنتهي إلى اليقين كظواهر الكتاب والسّنة وأخبار الآحاد ونحوها واعتبار انسداد باب العلم لا يقتضي اعتبار مطلق الظن إلا إذا تساوت الظنون ولم يدل على اعتبار بعضها دليل مخصوص وليس الأمر كذلك فإن كثيرا من الظنون قد دلت الأدلة على اعتباره بالخصوص والظن المعتبر كالعلم والباب فيه متسع وإن ضاق باب العلم أو انسد كما قيل وفي حاشية سلطان المحققين على المعالم قوله كان التكليف فيه بالظن قطعا فيه إن أراد أنه كان التكليف بالظن من حيث أنه ظن فالملازمة المذكورة ممنوعة إذ انسداد باب العلم لا يستلزم اعتبار الظن من حيث إنه ظن لجواز اعتبار الشّارع أمورا مخصوصة بخصوصها إذا كانت مفيدة للظن لا من حيث إفادتها الظن كأصالة البراءة فإنه ربّما يقال حجيتها ليست من حيث إفادتها الظن بل للإجماع على حجيّتها وإن أراد أنه كان التكليف بما يفيد الظن وإن لم يكن من حيث إفادة الظن فالملازمة مسلَّمة لكن نمنع قوله فالعقل قاض بأن الظن إلى آخره لأنه على هذا التقدير لا دخل للظن حتى يعتبر ضعفه وقوته ويكون الانتقال من القوي إلى الضعيف قبيحا فتأمل وفي حاشية جدي المازندراني على المعالم قوله لا يقال لو تم إلى آخره هذا نقض إجمالي على أن العدول عن الظن القوي إلى الضعيف قبيح قوله لأنا نقول إلى آخره أجاب عن النقض بأن ما ذكرنا من وجوب تقديم الظن القوي على الضعيف لا يجري فيما ذكره الناقض إذ الحكم فيما ذكرنا منوط بالظن فحيث كان الظن أقوى فهو بالحكم أجدر وأحرى وفيما ذكره الناقض منوط بشهادة العدلين والأحسن أن يقال ليس الحكم في الشهادة منوطا بالظن فقط بل الظن الحاصل بشهادة العدلين فلا يلزم تقديم الظن الحاصل بالشاهد الواحد إذا كان أقوى لأن تعدد الشاهد له مدخل في ترتب الحكم وذلك لأن الحكم بأن الحكم منوط بالمجموع أمكن في الذهن من الحكم بأنه منوط بنفس شهادة الشاهدين من غير أن يكون للظن مدخل قوله ومثلها يقال في الفتوى والإقرار يعني ليس الحكم بوجوب متابعة الفتوى وثبوت المقر به منوطا بالظن بل بقول المفتي والإقرار والأظهر أنه منوط بالظن الحاصل بهما ولقائل أن يقول ما ذكرت من الجواب عن النقض يجري في أصل الدليل أيضا لأن العمل بالأدلة الظنية المذكورة يعني الكتاب والإجماع وأصالة البراءة ليس مستندا إلى الظن حتى يلزم وجوب العمل بخبر الواحد أيضا وتقديمه على هذه الأدلة إذا كان أقوى بل إلى غيره مثل ما دل من القاطع على حجيتها وفي حاشية جمال الدين الخوانساري على شرح المختصر نقل ما ذكره سلطان المحققين من غير دفع له فهو ظاهر في قبوله إياه وفي رسالة للفاضل الملا عبد اللَّه فإن قلت نحن نحكم بما حصل لنا الظَّنّ بأنّه كلام المعصوم عليه السلام ومراده أو فعله أو تقريره سواء كان الرواية صحيحة السّند أو لا مسندة كانت أو مرسلة مضمرة كانت أو مقطوعة إلى غير ذلك لأنا علمنا بالتتبع أن علماء السّلف كانوا يعملون بما حصل لهم الظن بأنه مراد المعصوم عليه السلام مطلقا وحينئذ فلا حاجة إلى العلم بأحوال الرّواة قلت هذا باطل من وجوه الأوّل أن النصوص الدالة بإطلاقها وعمومها من القرآن والسّنة على النّهي عن اتباع الظن مطلقا كثيرة بحيث لا يقبل التخصيص إلا بقاطع والظن الحاصل للفقيه من آيات القرآن أو خبر العدل أو الإجماع مما يثبت وجوب العمل لا من حيث إنه عمل بالظَّن واتباع له بل من حيث إنه اتباع للقرآن والحديث وعمل بهما فبالحقيقة ليس هذا داخلا تحت النصوص الناهية عن اتباع الظن إذ هذا اتباع لكلام المعصوم عليه السلام لكن يكتفي في هذه النسبة أي في الحكم بأنه كلام المعصوم عليه السلام حصول الظن الناشئ عن إخبار العدل بأنه كلام المعصوم عليه السلام بناء على حجية خبر الواحد كما قالوا في الحكم بشهادة الشاهدين إنه ليس حكما بالظَّن بل بما ثبت من الشرع اعتباره وهو شهادتهما فهنا أيضا ليس اتباعا للظن بل لما ثبت شرعا وجوب اتباعه وهو القرآن والسّنة المطهرة ولا في ما نحن فيه مطلقا أنه ليس كذلك إذ لم يثبت من الشرع وجوب اتباع كل ما نسب إلى المعصوم عليه السلام حتى يقال إنه ليس اتباعا للظن بل الثابت اعتباره شرعا وهو المنسوب إلى المعصوم عليه السلام مطلقا بل ثبت عدم اعتباره لقوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فلا يمكن جعل حصول الظن مناطا للأحكام الشرعية انتهى وقد يدفع المناقشة المذكورة بالمنع من وجود ظن مخصوص يجوز الاستناد إليه بعد انسداد باب العلم بمعظم الأحكام الشرعية في إثبات حكم شرعي فضلا عن عمل خاص له جملة من الأجزاء وغاية ما ثبت من إجماع العلماء على حجيّة الظن بعد انسداد باب العلم هو حجية ظنّ ما غير معلوم لشخصه بحيث يقال