السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

466

مفاتيح الأصول

باقيا والشّرع ثابت لحكمه لو لم يكن شرع في وجوب الرّجوع إلى أحكام العقول من تحسين أو تقبيح أو إيجاب أو إباحة فلعدم الفرق بين الموضعين وفي النهاية في بحث خبر الواحد في مقام الاحتجاج على حجيته الرابع عشر إذا وقعت واقعة ولم يجد المفتي سوى خبر الواحد فلو لم يحكم به لتعطلت الواقعة عن حكم الشرع وذلك ممتنع اعترض بإمكان الخلو مع عدم دليل الحكم ولهذا فإنه لو لم يظفر المفتي في الواقعة بدليل ولا خبر الواحد فإنه لا يمتنع خلوّ الواقعة عن الحكم الشرعي والرجوع إلى البراءة الأصلية وعلى هذا فامتناع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي عند الظفر بخبر الواحد يتوقف على كون خبر الواحد حجة ودليلا وكونه حجة يتوقف على امتناع خلو الواقعة مع وجوده عن الحكم الشرعي وهو دور ممتنع كيف وإنا لا نسلَّم خلو الواقعة عن الحكم الشرعي فإن حكم اللَّه تعالى عند عدم أدلة إثبات الحكم الشرعي نفي ذلك الحكم ومدركه شرعي فإن انتفاء مدرك الشرع بعد ورود الشرع مدرك شرعي لنفي الحكم وفيه نظر فإن المعتزلة منعوا من خلو واقعة ما عن الحكم الشرعي فلا يكون ثبوته متوقفا على الدليل فلا دور وجعل حكم اللَّه تعالى عند عدم أدلة إثبات الحكم الشرعي نفي ذلك الحكم وأن مدركه شرعي يشتمل على التناقض بل الوجه أن يقال إن كل واقعة فيها حكم شرعي من جملته الإباحة وله مدرك شرعي من جملته البراءة الأصلية وقال فيه في بحث القياس في مقام ذكر الحجج على حجيته السابع عشر كل حادثة لا بد فيها من حكم ولا بد أن يكون إليه طريق وكثير من الحوادث لا نص فيها ولا إجماع وليس بعدها إلا القياس ولو لم يكن حجة خلت أكثر الوقائع من أن يكون إلى حكمها طريق والاعتراض لا نسلَّم الخلو على تقدير عدم القول بالقياس لاشتمال النصوص على جميع الحوادث إما شمولا ظاهرا وخفيا ولا يبعد ذلك وإن كثرت الحوادث إذا كانت عامة لقوله صلى الله عليه وآله فيما سقت السماء العشر فإنه شامل لجميع ما سقت السّماء وإن كثر عدده وأيضا إن أراد المستدل أنه لا بد في كلّ حادثة من حكم أي من قضية إما نفيا أو إثباتا فصحيح لكن لا يلزم أن يكون طريق ذلك الشرع بل قد يجوز أن يكون الطريق شرعيّا وعقليا وإن أراد بالحكم حكما شرعيا منعناه لجواز خلق كثير من الحوادث عنه ثم قال في مقام إبطال حجته الخامس سلمنا جواز التعبد بالقياس لكن ثبوت التعبد به موقوف على ثبوت الحاجة إليه وتناول النصوص الخاصّة والعامة والأدلة العقلية للحوادث كلها يرفع الحاجة إليه فإذا لسنا نتعبد به الاعتراض بمنع تناول النصوص جميع الحوادث وفيه نظر لأن النصوص والأدلَّة العقلية من أصالة البراءة والاستصحاب وغيرها وافية بجميع الأحكام وفي الإحكام في البحث المذكور أما الحجة المعنوية فهي أن النّص والإجماع مما يقل الحوادث ويندر فلو لم يكن القياس حجة أفضى ذلك إلى خلو أكثر الوقائع عن الأحكام الشرعية وهو خلاف المقصود من بعثة الرّسل عليه السلام وهو ممتنع وهي ضعيفة وذلك لأن الوقائع التي خلت عن النّصوص والإجماع إنما يلزم خلوّها عن الأحكام الشرعية إن لم يكن نفي الحكم الشرعي بعد ورود الشرع حكما شرعيا وأما إذا كان حكما شرعيا فكان مدركه شرعيا وهو استصحاب الحال وانتفاء المدارك الشرعية للقضية للأحكام الإثباتية فلا وإن سلمنا أن انتفاء الحكم عند انتفاء النص والإجماع ليس حكما شرعيا لكن إنما يمتنع ذلك لو كنا مكلَّفين بإثبات الأحكام الشرعيّة في كل قضية وهو غير مسلم وذلك لأن الشارع كما يؤدي إثبات الأحكام في بعض الوقائع فقد يؤدي نفيها في بعض أخر على حسب اختلاف المصالح يلزم على ما ذكروه أن يكون المصالح المرسلة الخلية عن الاعتبار حججا في الشريعة وهو محال وذلك لأنه ليس كل واقعة يمكن وجود النص أو الإجماع أو القياس فيها فلو لم تكن المصلحة المرسلة حجة اقتضى ذلك إلى خلو أكثر الوقائع عن الأحكام الشرعية لعدم وجود النص والإجماع والقياس فيها والعذر إذ ذاك يكون مشتركا وقال في بحث خبر الواحد في مقام ذكر حجج حجيته احتجوا بأنه إذا وقعت واقعة ولم يجد المفتي سوى خبر الواحد فلو لم يحكم به لتعطلت الواقعة عن حكم الشرع وذلك ممتنع ولقائل أن يقول خلو الواقعة عن الحكم الشرعي إنما يمنع مع وجود دليله أما مع عدم الدليل فلا ولهذا فإنه لو لم يظفر المفتي في الواقعة بدليل ولا خبر الآحاد فإنه لا يمتنع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي والمصير إلى البراءة الأصلية وعلى هذا فامتناع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي عند الظفر بخبر الواحد يتوقف على كون خبر الواحد حجة ودليلا وكونه حجة ودليلا يتوقف على امتناع خلو الواقعة مع وجوده عن الحكم الشرعي وهو دور ممتنع كيف وإنا لا نسلَّم خلو الواقعة عن الحكم الشرعي فإن حكم الله تعالى في حق المكلَّف عند عدم الدلالة المقتضية لإثبات الحكم نفي ذلك الحكم ومدركه شرعي فإن انتفاء مدرك الشرع بعد ورود الشرع مدرك شرعي لنفي الحكم وقال في المختصر في المقام المزبور قالوا لو لم يجب لخلت وقائع وردّ بمنع الثانية سلمنا لكن الحكم النفي وهو مدرك شرعي بعد الشرع وفي شرح المختصر للعضدي قالوا ثانيا لو لم يجب العمل بخبر الواحد لخلت وقائع كثيرة عن الحكم وهو ممتنع من جهتين أمّا الأولى فلأن القرآن والمتواتر لا يفيان بالأحكام بالاستقراء التام المفيد للقطع وأمّا الثانية فظاهرة الجواب بمنع الثانية وهو امتناع خلو وقائع عن الحكم عقلا سلمناه لكن نمنع الملازمة لأن الحكم فيما لا دليل فيه نفي الحكم ونفي الدليل دليل على نفي الحكم لما ورد الشرع أن ما لا دليل فيه لا حكم فيه فكان عدم الدليل لعدم الحكم مدركا شرعا ولم يلزم إثبات حاكم غير الشرع وفي حاشية جمال الدين عليه قال الشارح أمّا الثانية فظاهرة لأنه يفضي إلى خلاف مقصود البعثة كذا في الورود أو لأنه لا بد لنا من العمل فإذا لم يمكن الحكم في كثير من الوقائع فلا يمكن لنا العمل بشيء