السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
464
مفاتيح الأصول
فيه بالظن قطعا وفي الوافية في مقام الاحتجاج على حجية خبر الواحد أنا نقطع ببقاء التكاليف إلى يوم القيامة سيّما بالأصول الضرورية كالصّلاة والزكاة والصّوم والحج والمتاجر والأنكحة ونحوها مع أن جل أجزائها وشرائطها وموانعها وما يتعلَّق بها إنما يثبت بالخبر الغير القطعي بحيث يقطع بخروج حقائق هذه الأمور عن كونها هذه الأمور عند ترك العمل بخبر الواحد ومن أنكر ذلك فإنما ينكر باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان وفي الفوائد لجدي رحمه الله اعترف بعض المحققين بحصول الظن من الاستصحاب إلا أنه منع حجيّة كلّ ظن للمجتهد والمعروف من المحققين الباقين أنهم يمنعون حصول الظن وإلا فكلّ ظن المجتهد يكون حجة مسلم عندهم من جهة الَّذي ذكروا وهو أن باب العلم مسدود والطريق منحصر في الظن فيكون حجة ولا ترجيح لظن على ظن غير أن الظن الذي يحصل من القياس والاستحسان وأمثالهما ليس بحجّة عندهم وفاقا للوفاق ولأنه كان منهيا عنه في زمان الأئمة عليهم السلام والصدر الأول فكذا بعده بخلاف الظنون التي يحتمل أنها كانت في ذلك الزمان أيضا حجة مثل خبر الواحد وما يتوقف عليه ثبوته والاحتجاج به من جهة السند والمتن والدلالة وعلاج التعارض ومثل الاستصحاب وغير ذلك وقال في مقام آخر في جملة كلام له قد ثبت في الأصل الثّاني أن الظن في نفسه ليس بحجة بل العمل به والبناء عليه منهي عنه سيّما وأن يكون يقع فيه الاختلالات ( الاختلافات ) التي عرفت فعلى هذا نقول لا بدّ من دليل على حجية أمثال ما نحن فيه من الظنون وعلى رخصته التمسك به ولم نجد دليلا علميّا غير أنه نعلم يقينا بقاء التكاليف والأحكام الشرعية فلو كان باب العلم بها مسدودا للزم جواز العمل بالظن جزما وإلا لزم التّكليف بما لا يطاق أو الحرج أو ارتفاع التكاليف والأحكام باقية يقينا والكل باطل قطعا فيعلم أن الشّارع يقبل عذرنا في علمنا بالظن حينئذ ويرضى به وأيضا جواز العمل بالظن وفي صورة كذا إجماعي بل بديهي الدين ويؤيد تتبع الأحاديث وملاحظة طريقة الشّارع في الأحكام فلاحظ وتدبّر انتهى ولهم وجوه منها اتفاق العلماء قديما وحديثا على لزوم العمل بالظن بعد انسداد باب العلم كما لا يخفى ومنها أن ذلك من قواعد العقلاء يحكمون بذلك حكما بتيا جزميّا ويعملون به ولذا يكتفون بظنون كثيرة مختلفة في التجارات والصّناعات والمكاسب والأمور الجارية بينهم بحيث لا يسع لأحد إنكاره ومنها ما دل على حجية ظن المجتهد وقد أشار إليه جدي رحمه الله فقال الأصل في الظن عدم الحجيّة خرج منه ظن المجتهد بالإجماع وقضاء الضّرورة إذ المسلمون قد أجمعوا على أن من استفرغ وسعه في درك الحكم الشرعي وراعى عند ذلك جميع ما له دخل في استحكام المدرك وتشيده وتسديده وحصل ما هو أحرى يكون ذلك حجة عليه والضرورة قاضية بأنه لو كان ظن حجة فهذا وكذا لو كان لا بدّ من العمل به وأيضا بقاء التكاليف إلى يوم القيامة يقيني وسد باب العلم أيضا معلوم ومن استفرغ معه وسعه في جميع ما له دخل في الوثوق والمتانة وحصل ما هو أقرب لا يكلَّف إليه أزيد من ذلك يقينا لقوله تعالى لا يكلَّف اللَّه نفسا إلا وسعها وقوله تعالى ما جعل عليكم في الدّين من حرج وما ورد من أن اللَّه تعالى لا يكلف ما لا يطاق ولعل القطع بحجية مثل ما نحن فيه يظهر من تتبع الأخبار والأحكام أيضا العقل حاكم بحجيّته حينئذ قطعا وأيضا جميع العلوم والصّنائع المحتاج إليها في انتظام المعاد والمعاش يكون الحال فيها كما ذكر بلا شبهة والعلة الَّتي تكون فيها جارية فيما نحن فيه قطعا قياسا هكذا هذا ما أدى إليه اجتهادي واستفراغ وسعي وكلَّما أدى إليه اجتهادي فهو حكم اللَّه تعالى يقينا في حقي والصغرى يقينية وكذا الكبرى فالنتيجة يقينية وبالجملة خروج ظن المجتهد ممّا ذكر قطعي بلا تأمل انتهى ومنها أن بعد انسداد باب العلم إن لم يجب العمل بالظن فيما انسدّ طريق العلم فيه فلا يخلو إما أن يجب تحصيل العلم بالمسدود حينئذ ويكون هو التكليف أو يكون التكليف بغير المعلوم مرتفعا رأسا ولا يكون باقيا فيلزم فيه التمسّك بأصالة البراءة وعدم الحكم أو يكون الواجب فيه العمل بالاحتياط أو يكون مخيّرا بين الأقوال المختلفة أو يكون التّكليف فيه الأخذ بغير الظن بخصوصه ومن الظاهر بطلان جميع ما ذكر فتعين أن يكون الواجب هو العمل بالظن لأن رفع أحد النقيضين أو النقائض يستلزم ثبوت الآخر بالضرورة أما بطلان الاحتمال الأول فواضح لاستلزام التكليف بما لا يطاق وهو باطل بالضرورة مع أنه لا قائل به من المسلمين بل الملَّيين بل العقلاء قاطبة لا يقال قد ذهب جماعة إلى أن التكليف في الفروع كالتكليف في الأصول في وجوب تحصيل العلم بالأحكام لأنا نقول هؤلاء يدّعون انفتاح باب العلم في الأحكام الفرعية لشبه رديّة وخيالات واهية فيلزمهم ما ذهبوا إليه ولكنهم يقرّون بأنه لولا الانفتاح لما كان التكليف ذلك وأما بطلان الاحتمال الثاني فللأدلَّة الدالة على بقاء التكليف بالأحكام الغير المعلومة من الكتاب والسّنة والإجماع ودليل العقل وقد أشير إلى بطلان الاحتمال المذكور في جملة من الكتب ففي الوافية أنا نقطع ببقاء التّكاليف إلى يوم القيامة إلى آخر ما تقدم وفي حاشية سلطان المحققين لا شكّ أن أكثر الأحكام غير مستفادة من ظاهر الكتاب والتّكليف بها واقع قطعا وطريق العلم منتف وفي رسالة جدي العلَّامة البهبهاني قدس سره أن الإجماع واقع على مشاركتنا مع الحاضرين في الأحكام الشّرعية بل بقاء الشرع الأنور إلى يوم القيامة وكوننا متشرعين ومن أمته صلى الله عليه وآله من بديهيات الدين وما أجمع عليه المسلمون فظاهر من الأخبار المتواترة وسد باب اليقين بتفاصيل تلك الأحكام قطعي وجداني و