السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
463
مفاتيح الأصول
القرآن والأخبار المتواترة في زماننا بجميع الأحكام وأمّا الأزمنة السابقة فلا وحينئذ فيحتمل أن يكون الأخبار المتواترة فيها مع القرآن يفيان بجميع الأحكام لكنهم استغنوا فيما وقع الإجماع على نقل الأخبار فيه فلم يبق تواتر بعضها في زماننا وما بقي على التواتر لا يفي مع القرآن لكن ربّما يفيان مع الإجماع وحينئذ فلا بد من ضمّ الإجماع والحكم بعدم الوفاء على الجميع ويمكن أن يقال إن العلم بالإجماع في زماننا لا بد أن يستند إلى النقل إما بالتواتر والآحاد وحينئذ فيمكن حمل الخبر الواحد والمتواتر في الدليل على ما يعم الخبر في نقل الإجماع أيضا فلا حاجة إلى ضمه ولو نوقش حينئذ بأنه ربما جاز العمل بخبر الواحد في الإجماع دون الخبر وربما وفي الثلاثة بجميع الأحكام فلا يفيد الدليل جواز العمل بخبر الواحد في الخبر وهو المدّعى هاهنا فيمكن دفعها بأن الظاهر أن من قال بجواز العمل به في الإجماع قال بجوازه في الخبر أيضا نعم بعض من قال بجوازه في الخبر لم يقل بجوازه في الإجماع لبعد الاطلاع عليه وحينئذ فلا مجال للمناقشة المذكورة فتأمل ومنها أن الأحكام الشرعية الفرعية كثيرة في الغاية لا يتمكن غير المعصوم عليه السلام من الإحاطة والاطلاع عليها لتعلقها بأفعال جميع المكلفين واختلافها باختلاف الأشخاص والأزمان والأمكنة والأحوال والحيثيات المختلفة ومن الظاهر أن معرفة جميع ذلك على وجه القطع واليقين مما يستحيل عادة لأن العقل لا يستقل بالإدراك ولذلك كانت معظم الأحكام الفرعية أمورا تعبدية صرفة والتواتر المعنوي قليل الوقوع جدا وكذلك الإجماع المفيد للقطع وبالجملة الأدلة المفيدة للعلم عقلا أو عادة يستحيل تحققها في أمثال ما ذكر قطعا ومنها أن الغالب في الأمور الكثيرة الَّتي تندرج في مفهوم واحد كأمور التجارة والزراعة والصياغة ونحوها عدم التمكن من العلم بها عادة فكذا محل البحث ومنها أن الأحكام الشرعية الفرعية لو كان باب العلم بها أو بأكثرها مفتوحا لما جوز محقّقو الإسلام من المتقدمين والمتأخرين من العامة والخاصّة الاعتماد على أمور لا تفيد العلم بل لا تفيد الظن كظاهر الكتاب والسنة المتواترة وخبر الواحد والاستصحاب وأصالة البراءة ونحو ذلك وبطلان التالي في غاية الوضوح وأما احتمال التقصير في حقهم مع ما هم عليه من العلم والفضل والكمال والبراعة في الفنون والعلم والزهد والتقوى والجد والاجتهاد وطول الفكر والنظر في فهم الأحكام غلط واضح وزلل فاحش ر ومنها أن الأحكام الفرعية لو كان طريق العلم بها أو بأكثرها مفتوحا لما جاز في الشريعة العمل بأمور لا تفيد العلم كخبر الواحد والاستصحاب وظاهر الكتاب وغير ذلك والتالي باطل للأدلة القطعية الدالة على حقيقة الاجتهاد بمعنى العمل بالظن والأمور التي لا تفيد العلم وبالجملة من أنصف وتأمل في صناعة الفقه وكانت له درية وجودة قريحة علم علما قطعيا لا يختلجه شكّ وريبة أن الأحكام الشرعية أكثرها غير معلومة وقد حقق ذلك جدي قدس سره في مواضع من كتبه ورسائله بما لا مزيد عليه ردا على طائفة خالية عن التحقيق قائلة بأن الأحكام الشرعيّة الفرعية كلها قطعية كأصول الدين ولهم في ذلك شبهات واهية وخيالات سوفسطائية لا يليق التعرض لها ولدفعها بالمقام وله مقام آخر طويل الذيل وأمّا المقدمة الثانية القائلة بأن بعد سد باب العلم يلزم العمل بالظن فقد أشير إليها في جملة من الكتب الفقهية والأصولية ففي التذكرة لا يجوز التعويل في دخول الوقت على الظن مع القدرة على العلم فإن تعذر العلم اكتفي بالظن المبني على الاجتهاد لوجود التكليف بالفعل وفي نهاية الأحكام في بحث الواجب الكفائي التكليف فيه موقوف على الظن لأن تحصيل العلم بأن غيره لم يفعل غير ممكن بل الممكن الظن وفي الذكرى لو غلب على ظنه أحد طرفي ما شك فيه في الصلاة بنى عليه لأن تحصيل اليقين عسر في كثير من الأحوال فاكتفي بالظن تحصيلا لليسر ودفعا للحرج وفي التنقيح في مسألة ما لو صلَّى ظانا دخول الوقت في جملة كلام له لكن المشهور الأول للاتفاق على وجوب العمل على الظن مع تعذر العلم وهو الغرض هنا وفي زبدة البيان للأردبيلي لا يجوز العمل والتعويل على الظن إلا مع دليل الأقوى أو مساو دلالة على الجواز من دلالتها على المنع كما ثبت في المسائل الفرعية اجتهادا وتقليدا بالعقل من لزوم الحرج والضرر المنفيين بالعقل والنقل والتكليف بما لا يطاق وببعض الآيات والأخبار بل الإجماع إذ قد انقرض منع التقليد وإيجاب الاجتهاد عينا وفي مجمع الفائدة له أيضا أما وجوب الاجتهاد في القبلة فلأنه إذا لم يحصل العلم وجب ما يقوم مقامه وهو الظن عن أمارات شرعية وهو الذي يحصل بالاجتهاد ولكن ينبغي عدم الاكتفاء إذا تمكن من تحصيل العلم وفي بعض شروح الاثني عشرية لصاحب المعالم يكفي الظن في القبلة لأن وجوب الاستقبال لا يسقط مع تعذر العلم فلو لم يكن الظن كافيا للزم إما سقوط الاستقبال أو الصلاة إلى أربع جوانب وكلاهما خلاف المذهب وإن كان للشيخ قول بالثاني وفي الشرح الآخر للفاضل النباطي نحن مكلفون بالاستقبال ولا سبيل إلى تحصيل الظن الحاصل من العلامات فيجب اتباع هذا وإلا فإمّا أن يبقى التكليف بالاستقبال ويلزم منه التكليف بما لا يطاق أو سقوط التكليف بالاستقبال رأسا وهو باطل فتعين العمل بالظن الحاصل عن الأمارات وفي موضع من المعالم الاكتفاء بالظن فيما يتعذر فيه العلم مما لا شك فيه ولا نزاع وقد ذكره السّيّد رحمه الله في مواضع من كلامه أيضا فيستوي حينئذ الأخبار وغيرها من الأدلة المفيدة للظن في الصّلاحية لإثبات الأحكام الشرعية كما حققناه وفي موضع آخر منه إذا تحقق انسداد باب العلم في حكم شرعي كان التكليف