السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
462
مفاتيح الأصول
أن المجمع عليه يقينا أي شيء كان وأما الاختلالات والاحتمالات المنافية للقطع الحاصلة بحسب المتن والدلالة والتعارض فأكثر أن تحصى ومن تأمل في رسالتنا في الاجتهاد والأخبار يحصل له القطع بما ذكرنا ولا يبقى له طريق إلى توهم في الاعتراض على صاحب المعالم وغيره من الفقهاء مع أن ما ذكرنا في المقام إشارة كافية للعاقل وفي موضع آخر من المعالم ومعلوم أن تحصيل العلم القطعي بالحكم الشرعي في محلّ الحاجة إلى العمل بخبر الواحد مستحيل عادة وإمكانه في عصر السيّد وما قبله من أزمنة ظهور الأئمة لا يجدي بالنسبة إلى زمان عدم الإمكان ولعلّ الوجه في معلومية مخالفة الإمامية لغيرهم في هذا الأصل تمكنهم في تلك الأوقات من تحصيل العلم بالرجوع إلى أئمّتهم المعصومين عليهم السلام فلم يحتاجوا إلى اتباع الظن الحاصل من خبر الواحد كما صنع مخالفوهم ولم يؤثروه على العلم وقد أورد السيّد على نفسه في بعض كلامه سؤالا هذا لفظه فإن قيل إذا سددتم طريق العمل بالأخبار فعلى أي شيء تقولون في الفقه كلَّه وأجاب بما حاصله أن معظم الفقه يعلم بالضرورة من مذاهب أئمتنا عليهم السلام فيه بالأخبار المتواترة وما لم يتحقق ذلك فيه ولعلَّه الأقلّ فيه يقول فيه على إجماع الإمامية وذكر كلاما طويلا في بيان حكم ما يقع الاختلاف بينهم ومحصوله أنّه إذا أمكن تحصيل القطع بأحد الأقوال من طرق ذكرناها تعين العمل عليه وإلا كنا مخيرين بين الأقوال المختلفة لفقد دليل التعيين ولا ريب أن ما ادعاه من علم معظم الفقه بالضرورة وبإجماع الإمامية أمر ممتنع في هذا الزّمان وأشباهه فالتّكليف فيها بتحصيل العلم غير جائز وفي كلام بعض الفضلاء أن طرق القطع منتفية في أكثر المسائل الفرعية ثم قال فإن قلت ما ذكرته من انتفاء تكليفنا بتحصيل العلم وانتفاء طريق العلم في أكثر الأحكام الشّرعية هل هو مخصوص بزماننا وأمثال زماننا وكان القدماء قائلين بوجوب تحصيل العلم لانفتاح طريق العلم لهم أو كانوا قائلين بجواز العمل بظاهر القرآن والإجماع المنقول بخبر الواحد وبوجوب القطع في ما يستنبط من الأخبار أو كان زمان القدماء مثل زمان السّيد وأمثال زمانه أيضا مثل زماننا قلت يمكن أن يكون في زمانه بعض المسائل الَّتي لم يظهر لنا مأخذ قطعي على وجه يمكن له تحصيل المأخذ القطعي بظهور بعض الأخبار الَّتي تعاضد البعض أو ظهور قرائن تعاضد الأخبار الموجودة في زمانه وانتفائهما في زماننا وأمّا كون كل الأحكام في زمانه كذلك أو كون كل الأحكام الَّتي يستدل عليها بالأخبار كذلك فهو معلوم البطلان لأنه لو كان اعتقاد القدماء وجوب تحصيل العلم في الأحكام الشرعية مطلقا أو فيما لا يندرج في ظواهر الآيات والإجماع المنقول بخبر الواحد وكان تحصيل العلم في جميع الأحكام على تقدير أو فيما لا يندرج في الأمرين المذكورين على تقدير آخر ممكنا لكان الواجب اتفاق الأحكام المستنبطة من الأخبار ولو فرض وقوع الاختلاف في الجملة لوجب عدم الوفور والكثرة فيها لعدم مناسبة الاختلاف بين طائفة واحدة في مسائل كثيرة مستنبطة من الأخبار مع وجود الأخبار القاطعة فيها وأكثر اختلافات القدماء إنما نشأ من اختلاف الأخبار أو الاختلاف في فهم مفادها وتجويز استناد الاختلاف إلى التهاون في المدارك مع وجود القاطع قدح في كلهم أو جلَّهم وكيف يجوز المتأمل وجود الروايات القاطعة في زمان السيّد والشيخ رحمه الله مع غاية الاختلاف بينهما بل في فتاوى أحدهما في تأليفين وكذا في فتاوى من عاصرهما ومن تقدم عليهما لا يقال قال السيّد وابن إدريس بعدم جواز العمل بأخبار الآحاد الخالية عن القرائن مع اختلافات كثيرة بينهما فما نقوله في جواز هذه الاختلافات نقول في جواب الاختلافات التي بين السّيّد والشيخ وغير الشيخ لأنا نقول عدم قولهما بجواز العمل بأخبار الآحاد الخالية عن القرائن لا يستلزم عدم عملهما بها فلعل السيّد عمل برواية يظن كونها محفوفة بقرائن تفيد العلم بما أفتى به وابن إدريس برواية منافية لها بزعمه كذلك أو زعم أحدهما رواية كذلك والآخر لم يتفطن بتلك الأمارة أو زعمها ضعيفة غير مفيدة للعلم أو زعم أن إجماعا يدل على خلافها أو زعم أحدهما إجماعا على أمر والآخر إجماعا على خلافه أو زعم أحدهما ظاهرا يدل على أمر والآخر أمرا آخر حجة شرعية على خلافه وبالجملة الاختلافات الكثيرة التي تحققت في فتاويهم تدل دلالة ظاهرة على عدم تحقق الروايات القاطعة الدالة على فتاويهم فإن قلت يمكن أن يكون الأخبار التي يصح الاحتجاج بها من الأخبار المتواترة أو المحفوفة بالقرائن وكان منشأ الاختلاف غفلة بعضهم عن بعض الأخبار المتواترة عن بعض القرائن أو عن بعض المدارك التي اطلع عليها الآخر كما ذكرت بعنوان الاحتمال هاهنا قلت الظاهر المتتبع أن أكثر اختلافاتهم إنما نشأ من أخبار الآحاد الخالية عن القرائن من القول من الإجماع الذي لا دليل على حجيته كما سيظهر لك إن شاء الله ولو فرض بعد ظهور ضعف كثير من الإجماعات كما ينبهه عدم جواز العمل بأخبار الآحاد لخلاء الأحكام الكثيرة التي لا يجوز خلوها عن المأخذ وفي شرح المختصر للعضدي أن القرآن والمتواتر لا يفيان بالأحكام بالاستقراء التّام المفيد للقطع وفي حاشية جمال الدين الخوانساري عليه بعد الإشارة إلى قوله ينبغي ضم الإجماع أيضا والحكم بعدم الوفاء في الجميع وإلا فلا يفي بإثبات المطلوب ويمكن أن يقال تركه باعتبار أن الإجماع عندهم لا بد له من مستند فلو لم يخبر العمل بخبر الواحد انحصر مستنده في القرآن والخبر المتواتر فلا يوجد الإجماع أيضا إلا فيما وجد فيه أحدهما فلا حاجة إلى ذكره ويكفي ذكر عدم وفائها نعم على طريقتنا في الإجماع لا بد من ضمّه أيضا كما لا يخفى وفيه أن المعلوم عدم وفاء